الدرس الصيني وصفة صينية لمكافحة الانحراف السياسي ومعاقبة لصوص المال العام بقلم: المختار الغربي

0

في مرحلة من تاريخ الصين الشعبية، ابتكر النظام آلية فريدة في محاربة استغلال النفوذ السياسي لقياداته ومكافحة بوادر الفساد المالي، الحالتين معا لم تكونا بالحدة والخطورة للعقاب القاسي والمحاكمات والسجن، بل كانتا فقط مجرد بوادر تؤدى بصاحبها إلى ما لا تحمد عقباه.
تلك الطريقة الفريدة طبقت ونفذت بصرامة بالغة تسببت في معاقبة مسؤولين وقيادات بارزة في هرم السلطة والنظام، حتى أن بعضهم، وقد كانوا يمثلون رأس النظام، نعتوا بالعصابة. وقد أطلق على تلك المرحلة بما يمكن تسميته بالثورة الثانية للصين الشعبية.
الذين أشرفوا على الإصلاح ومكافحة الفساد السياسي والمالي، نكرر أنه فقط ظهر بعضها سطحيا وليس عميقا وخطيرا، خصصوا مساحات أرضية شاسعة لإنشاء إصلاحيات، على شكل إصلاحيات الأحداث، لإعادة التأهيل لكل من تسول له نفسه الشطط في استعمال السلطة أو استغلالها لمآرب شخصية.
هكذا تم أرسال الآلاف من المسؤولين فى هرم السلطة وممثلي النظام في الأقاليم والمقاطعات المترامية الأطراف للدولة، من من ظهرت عليهم بوادر استغلال النفوذ.
العقاب كان يتم عن طريق تجريدهم من كل الوظائف والمسؤوليات ومراكز النفوذ والامتيازات وإرسالهم إلى تلك الإصلاحيات، التي أنشأت في مقاطعات نائية ومعزولة. هناك كانوا يقيمون في ضيعات شاسعة، في بيوت من القش حيث يضعون العشرات منهم مجتمعين تحت سقف واحد، ليس لهم فيها إلا أسرتهم الفردية.
لكن، الأهم من هذا هو الوسائل التي استعملت لتأديبهم وإصلاحهم وتأهيلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع الصيني.
هذا الأمر كان يتم عن طريق برنامج مكثف من التأهيل والتربية والعمل في الحقول، يستمر لمدة اثني عشرة ساعة في اليوم، من السادسة صباحا الى السادسة مساءا. موزعة بين الأشغال الفلاحية واليدوية وحصص دراسية، تحت إشراف خبراء في تلك الميادين وأساتذة مختصون في علم النفس والاجتماع، كلفوا بتلك المهام من طرف القيادة السياسية والعسكرية، حسب برامج محكمة لقتل كل النزوات الفاسدة التي يمكن أن تتسلل إلى عقل كل مسئول عن تدبير الشأن العام في كل المجالات.
الذين خضعوا لهذا البرنامج تم إدماجهم في المجتمع الصيني، وبعد أن أبعدوا من سلطاتهم ونفوذهم، تم تمكينهم من وظائف وأعمال، حسب مؤهلاتهم الجديدة التي اكتسبوها أثناء عملية التربية السياسية والنفسية والمهارات. لكن دائما بالعمل والجهد والكد ودون أية إمكانية لإعادة استفادتهم من النفوذ والسلطة أو مراكمة الأموال أكثر مما يستحقون لعيش كريم.
هذا باختصار ما تم في مرحلة من تاريخ الصين الحديثة، حيث ساهم هذا الابتكار السياسي في القضاء نهائيا على الفساد السياسي والمالي، وبالتالي تم تجديد المجتمع الصيني لمواجهة تحديات الفقر والتخلف والوصول إلى نظام خال من الاستغلال السياسي والفساد المالي والاقتصادي، مما أهل هذه الدولة لتكون قوية ماليا واقتصاديا، ونموذجا في الحكامة الرشيدة.
مثل هذا النموذج الفريد، لو كنا قد استفدنا منه، لكان الأولى لنا، في هذا البلد المنكوب، أن نطبقه. ولو كنا قد فعلنا ذلك، ولو بخصوصيات مغربية ومحلية، لما ظهر بيننا الذين أفسدوا حياة المغاربة وخربوا نظامهم واقتصادهم، ولما عرفنا في المغرب ما هي الحسابات المليارية والثروات القارونية والقصور الأسطورية والسلطات الفرعونية.