الفروقات بين كفاح الفلسطينيين وشطحات الانفصاليين   بقلم: الأستاذ عبد الله بوصوف (*)

0

 

تستغل جبهة البوليساريو كل اللقاءات الدولية أو الجهوية، لاستعراض سمفونيتها الصاخبة المتخصصة في التضليل القانوني والواقعي؛ فيما تختص الجزائر “الحاضنة” في ضخ عائدات بترول الشعب الجزائري في جيوب كتائب التضليل من كُتّاب وإعلاميين وشخصيات مؤثرة في الرأي العام وغيرهم، حتى أصبحت تفـوح منهم رائحة غاز وبترول الجيران!

لقد نقلت البوليساريو بتمويل جزائري الصراع إلى أكثر من ملعب وميدان، واستعملوا كل وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات المجتمع المدني للترويج لأطروحة الانفصال؛ لكنهم يحرصون أكثر على الحضور والتجييش في المواعيد الدولية المهمة، سواء تعلق الأمر باللقاءات الحقوقية بجنيف السويسرية أو بأنشطة المنتدى الاجتماعي العالمي، لاستجداء عطف التيارات اليسارية خاصة والمجموعات الاحتجاجية وللعب دور الضحية بغية استعطاف المنظمات غير الحكومية والإعلام الدولي.

كما تبقى أشغال اللجنة الرابعة الخاصة بتصفية الاستعمار بالأمم المتحدة بنيويورك، التي تنعقد في الأسبوع الثاني من أكتوبـر من كل سنة، موعدا مقدسا بالنسبة إلى البوليساريو؛ وهي “مناسبة بُكائية” بامتياز، حيث تخرق فيها البوليساريو ومعها محور الجزائر الميثاق الأممي. وهي مناسبة يستغلها جهاز إعلام التضليل الجزائري وكتائب البوليساريو الإعلامية بالتهليل بالنصر المقبل وبعدالة قضيتهم، وهُم بهذا يحقنون محتجزي مخيمات تندوف “بمسكنات إعلامية” لا غير.

وحسنا فعل السيد عمر هلال، الممثل الدائم للمغرب بالأمم المتحدة، حين ذكّر المنتظم الدولي أثناء أشغال اللجنة الرابعة (أكتوبر 2016) بهذا الخرق القانوني، وبأن قضية الصحراء المغربية ينظر فيها مجلس الأمن الدولي حسب الفصل السادس من الميثاق الأممي الخاص بالتسوية السلمية للنزاعات وليس كملف لتصفية الاستعمار. كما أن الفصل الثاني عشر من الميثاق نفسه يجعل كل توصية من الجمعية العمومية للأمم المتحدة غير ذات موضوع لكل نزاع ينظر فيه مجلس الأمن، ما لم يطلب ذلك المجلس ذاته من الجمعية العمومية؛ وهو ما يعني أن عرض ملف الصحراء على اللجنة الرابعة هو خرق واضح للميثاق الأممي.

كما شمل التضليل القانوني للانفصاليين عدة مصطلحات ومراكز قانونية؛ ومن أمثلة ذلك غياب توصيف واضح لسكان المخيمات في معايير القانون الدولي لـ”صفة اللجوء”، كما حددتها معاهدة جنيف لسنة 1951، ومع ذلك تستفيد من معونات المفوضية السامية للاجئين.

يُمكن اعتبار الفصل الـ73 من الميثاق الأممي هو “الرحم القانوني” للقرار الأممي الشهير 1514 لسنة 1963؛ لكن لا يُمكن الحديث عن هذا القرار بمعزل عن تفاعلات الساحة الدولية آنذاك، كالثنائية القطبية والحرب الباردة والتنافس حول استقطاب الدول حديثة العهد بالاستقلال. ودون أن ننسى أن كلا من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية لم تكن لهما مستعمرات. وبمن ثم، فقد كان في صالحهما تشجيع وتنبي بعض حركات التحرر والاستقلال لإضعاف أوروبا أيضا. وهذا ما يُـبرر الضغط على إسبانيا آنذاك لإدخال “الصحراء الإسبانية” في مضمون الفصل الـ73، مع تهديدها بإدخال جزر الكناري أيضا في حالة رفض إسبانيا الرضوخ للضغوطات.

وليس سرا أن المغرب عرف، خلال الفترة نفسها على المستوى الداخلي، اضطرابات سياسية (انقلابات، وإعلان حالة الاستثناء) واجتماعية (إضرابات، ومواجهات) ومناخية (توالي سنوات الجفاف)؛ وهو ما استغلته جهات عديدة في محاولة تدويل القضية وتوسيع دائرة المتعاطفين.

من جهة أخرى، لا نعتقد أنه محض صُدفة تاريخية إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963، بالرغم من أن المغرب كان أحد المؤسسين لها عبر “نادي الدار البيضاء”، قبل أن تتدخل أياد خارجية لتوجيه الخط السياسي والاجتماعي للمنظمة الوليدة.

وبتنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، لم يسترجع المغرب فقط الصحراء؛ بل بعث برسائل سياسية مهمة إلى كل المتآمرين على وحدته، مفادها أن اللُحمة الوطنية الداخلية بخير وبأن هناك إجماعا وطنيا شعبيا وسياسيا وأن الملكية والصحراء خط أحمر؛ وهـو ما سيجعل الجهات نفسها تزرع جهاز (البوليساريو) للتشويش على مشروع الجهاد الأكبر، أي التنمية و بناء المغرب الديمقراطي.

لكن أن يبلغ مستوى التضليل حد محاولة التماهي مع القضية الفلسطينية، قضية العرب الأولى لأزيد من نصف قرن، فإن ذلك يتعدى وبكثير وصفه بالسرقة الموصوفة لقضية عادلة والرقص فوق أجساد أطفال الحجارة وكل الشهداء الفلسطينيين لكسب العطف الدولي.

لقد حاولوا عبثا الترويج والتسويق للوجه الواحد للقضيتيْـن في كل المنتديات، وحاولوا نسج سياقات لا تقبلها قواعد التاريخ والجغرافيا ولا يحتملها العقل. وهكذا، انطلقت السرقة الموصوفة بالعلم الفلسطيني، الذي يحمل تراكمات سياسية ورمزية كبيرة، بدأت سنة 1917 كعلم للحركة الوطنية الفلسطينية، ولتعترف به منظمة الجامعة العربية سنة 1948 كعلم للشعب الفلسطيني، وفي سنة 1988 ستتبناه منظمة التحرير كعلم للدولة الفلسطينية.

ويبدو أن مهندسي جبهة المرتزقة هدفوا، من خلال سرقة العلم الفلسطيني بإضافة نجمة وهـلال فقـط، إلى سرقة البُعد القومي والعربي للقضية الفلسطينية، ألا يعد هذا تضليلا تاريخيا وواقعيا؟

بعد ذلك، ستمتد يد البوليساريو إلى سرقة البُعد الإنساني لمعاناة الشعب الفلسطيني طيلة نصف قرن، من خلال تشبيه مخيمات تندوف بالجزائر بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين بكل من سوريا ولبنان والأردن. ألا يعتبر هذا أيضا تضليـلا تاريخيا وواقعيا؟

السرقة ستطال أيضا رمزية التمثيل السياسي والتفاوضي. وهكذا، وفي كثير من الأحيان، يُشبهون منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، حسب الجامعة العربية والأمم المتحدة، بجبهة البوليساريو كممثل «للشعب الصحراوي»! وهُنا، نلاحظ اختلاف أسباب النزول واختلاف المرجعيات القومية والإيديولوجية والتاريخية للطرفيْن، ألا يعد هذا تضليلا تاريخيا وواقعيا؟

لم يـسلم الحاجز الرملي (2700 كلم) المشيد بالصحراء المغربية وداخل السيادة المغربية من سطو آلة التضليل، وجرى تشبيهه بالحائط الفاصل في مناطق السلطة الفلسطينية وإسرائيل؛ بالرغم من أن هُناك أمثلة كثيرة لدول شيدت أسوارا عازلة وسياجات داخل حدود سيادة الدولة الواحدة، لأسباب أمنية كالأرجنتين (حائط لحماية الغابات)، أو إيطاليا (حائط مدينة بادوفا سنة 2006 للحد من انتشار المخدرات بين الأحياء). وها نحن اليوم نلمس نتائج الحاجر الرملي للصحراء المغربية، حيث حد بشكل كبير من تجارة البشر والسلاح والهجرة غير القانونية، وعدم توغـل بُؤر الإرهاب الدولي.

وبالمقابل، وفر المغرب جسورا جوية، لتبادل الزيارات بين العائلات الصحراوية من وإلى المخيمات تحت رعاية أممية، لم تسلم من عراقيل البوليساريـو. وهنا أيضا التشبيه بين الحالتيْن فيه الكثير من التضليل التاريخي والواقعي.

وستُحاول البوليساريو بدون خجل تسمية كل احتجاج مجتمعي عادي داخل الصحراء المغربية بالانتفاضة، تشبيها بالانتفاضة الفلسطينية (منذ دجنبر 1987)؛ لكن الخطير في التشبيه هو تقليد تطور الانتفاضة الفلسطينية في المقاومة من الحجارة والزجاجات الحارقة إلى السكاكين والهجمات الانتحارية وصواريخ القسام… وينضاف إلى سجل التضليل التاريخي انتحال البوليساريو لـ”صفة مُقاوم”، وبالتالي إمكانية تبرير كل أنواع العنف الذي قد يتطور إلى تبرير طعن الأبرياء بخناجر الغدر أو أعمال إرهابية. وشتان بين الانتفاضة الفلسطينية وبين شطحات البوليساريو؛ بل إن بعض وسائل الإعلام الغربية وصفت بالانتفاضة كل الحركات الاحتجاجية والإضرابات عن الطعام داخل مخيمات تندوف من جراء سـوء ظروف العيش والمعاملة غير الإنسانية.

إن مهندسي جبهة البوليساريو يعرفون أكثر من غيرهم حاجتهم لاستقطاب شخصيات مؤثرة على الصعيد الدولي لتنشيط اللقاءات الحقوقية وتسويق منتوجهم التضليلي. وما اسـم الأمريكي نعوم تشومسكي، الناشط الحقوقي بالمنتدى الاجتماعي العالمي، إلا إحدى واجهات البحث عن الشرعية الغائبة عن كل حالات التماهي والتشبيه بين القضية الفلسطينية وبين الصحراء المغربية.

لقد ورث المغاربة وصية الملك الراحل الحسن الثاني “سنُصلي في القدس”، ومن أجل ذلك ازداد حجـم الدعم المالي والسياسي للقضية الفلسطينية العادلة في عهد جلالة الملك محمد السادس، وتقوت “لجنة القدس”. ولن يستطيع محور الجزائر التمويه على سرقة القضية الفلسطينية. كما لن يستطيعوا سرقة الكوفية الفلسطينية رمز الكفاح، ولا إبداع ريشة حنظلة أو استنساخ قصائد درويش… وتبقى القضية الفلسطينية هي الأصل. أما جبهة البوليساريو، فهي فقط نسخة مزورة عن الكفاح والمقاومة.

(*) نشكر الأستاذ عبدالله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، على مساهمته القيمة والثمينة.