القضية الفلسطينية والديمقراطيات المنافقة   بقلم: المختـــار الغربـــي

0

 

 على مدى 24 يوما (من 27 دجمبر 2008 إلى 19 يناير 2009) عاش قطاع غزة على إيقاع واحدة من أفضع وأسوأ وأشرس حرب شنتها القوات الصهيونية على هذه البقعة الصامدة والطاهرة من فلسطين المحتلة. كانت حربا ذات حمولة كبيرة من الحقد والعنصرية والخبث، التي تسكن عقل وقلب اليهود الصهاينة، دون أن يرف لهم جفن، بما ارتكبوه من جرائم وفضائع في حق الأطفال والنساء والشيوخ، وما قاموا به من تخريب وتدمير لكل البنيات الأساسية، كالمساجد والمستشفيات والمدارس والإدارات والمصانع والأسواق.

 البداية كانت بعدوان جوى واسع، تزامنا مع حملة برية في شمال قطاع غزة بواسطة مئات الآلاف من الصواريخ والقنابل المدمرة والحارقة، بعضها محظور دوليا لما تسبب من آثار تخريبية على البنيان وصحية طويلة المدى على الإنسان، مما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى معظمهم من المدنيين. لكن، المثير في الأمر، كون المواقف العربية والدولية إزاء المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني، اتسمت بالسلبية المطلقة والإهمال، حيث اكتفت الحكومات العربية بإصدار الإدانات فيما ساوى الأمين العام للأمم المتحدة والحكومات الغربية بين الضحية والجلاد.

 جرائم الحرب الصهيونية كانت ذات أبعاد مأساوية على الشعب الفلسطيني عامة وسكان غزة بالخصوص، فزيادة على الخسائر البشرية والمادية، فقد خلفت تلك الحرب الظالمة أطنانا من المخلفات الناجمة عن تخريب البنيات وشح المياه وقطع الكهرباء وحرق الأشجار والمزروعات، كما تضررت البيئة. وحسب كل المواثيق الدولية، فان كل ذلك يعد جرائم حرب، كان المفروض أن يحاسب عنها الصهاينة دوليا في المحكمة الجنائية الدولية لمتابعة ومعاقبة كل المجرمين الصهاينة الذين خططوا لها والذين نفذوها. لكن العالم وقوى الظلم فيه أكلوا لسانهم، خصوصا بعد أن أكدت التقارير استخدام الصهاينة لأسلحة محرمة دوليا وذات تأثيرات إشعاعية وسمية خطيرة.

بعد تلك الحرب العدوانية، أو ما تم تسميتها بحرب غزة الأولى (دجمبر 2008 – يناير 2009) توصلت بشريط فيديو، من جهة لم تفصح عن هويتها، مصور بواسطة هاتف متنقل. الشريط صور مباشرة بعد ضربة جوية إرهابية من طرف طائرات جنود الاحتلال الصهيوني خلال الحرب العدوانية على قطاع غزة. العملية الجبانة لهؤلاء المجرمين تمت على سوق تجارى وسط غزة حينما كان مكتظا بالفلسطينيين يقومون بالتسوق والتبضع، من بينهم أطفال، نساء وشيوخ. تمت هذه العملية الإجرامية يوم 3 يناير خلال تلك العمليات المجنونة ضد القطاع وأهله.

لا توجد كلمات أو تعابير مناسبة لوصف فضاعة العمل الإجرامي الذي نفذتة الأيادى والعقول القذرة والمتخلفة “لدولة إسرائيل الديمقراطية” لقتل عشرات الأبرياء في واحدة من أكبر  العمليات الهمجية والمتوحشة. المثير هو أنه رغم تعدد القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام، التي كانت متواجدة حينذاك في القطاع، فان أيا منها لم تشر أو تبث تفاصيل تلك المجزرة المرعبة.

 ما وقع خلال تلك الأسابيع الثلاثة من حرب غزة الأولى، له علاقة مباشرة بما يسمى بالديمقراطية، هذا المفهوم الغربي الغامض والملتبس وغير العادل، والذي يستعمل ويستغل فقط كآلية للإضرار بالآخرين وباسمها ترتكب الكثير من الحماقات والتصرفات المجنونة، حيث يبدو أن هذا المفهوم ليس له أي معنى، كما لم تكن له في أية ظروف خلال تاريخ البشرية، باستثناء خلال حياة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، حيث إن القرآن، وهو كلام الله والكتاب المقدس للمسلمين، حض على التواضع والشورى وعدم الظلم.

 الرواد المسلمون الأوائل، المهتدون بدينهم، اعتبروا بأن “الديمقراطية” بالمفهوم الديني الاسلامى، الذي هو الشورى، وحدة لا يمكن تجزئتها أو فصلها، بل لا يمكن تطبيقها في حالات وتجاهلها في حالات أخرى. من هنا يطرح السؤال عن من يطبق الديمقراطية ومن يراقب تنزيلها على أرض الواقع؟ هناك حرب ومواجهة أزلية ومتواصلة بين الحكام والمحكومين حول هذا الأمر الجلل، مما يقودنا إلى كون الديمقراطية كانت دائما مسؤولية الحكام ومن والاهم، وأيضا مسؤولية المؤسسات.

 في عالم اليوم، عالم القرن 21 لا توجد بالمطلق ديمقراطية، باستثناء الديمقراطيات المفصلة على مقاس الدول، كما الحكام. أليست ديمقراطية محاربة جرائم وإرهاب الدولة، الذي هو الإرهاب الحقيقي؟ مقاومة الاحتلال ليس من بين هذه الصفات. في حالة “العصابات الصهيونية” فان جنودهم والداعمين لهم، هم مجرمون وإرهابيون، حسب كل “القوانين والأعراف الدولية” والدول المدعية للديمقراطية لم تفعل شيئا اتجاه محاكمة ومعاقبة هؤلاء المجرمين. هنا يضيع الحق والعدل، وفى النهاية تكون الشعوب المقهورة هي التي تدفع الثمن، حيث تجد نفسها عاجزة أمام غطرسة وأخطاء حكامها.

 منذ ربع قرن كانت تبث عبر التلفزيون سلسلة أمريكية حول العمليات القذرة المخابرات الأمريكية. في إحدى حلقاتها احتج عميل أمريكي، على خلفية شعوره بالغبن والخيانة، على قرار اتخذه الرئيس الأمريكي، فما كان منه إلا أن يقول أمام زملائه “إذا كنا قد استطعنا وضع رجل على سطح القمر، فليس غريبا أن نضع مجنونا في البيت الأبيض”  في الواقع، كل الحقائق والوقائع والمواقف اتجاه الظلم المقترف في العالم، بالأخص ما يتعلق بفلسطين والفلسطينيين، هي مسألة جنون ومجانين، دون استبعاد مسؤولية الشعوب المدعية للديمقراطية، لأنهم هم من يسمحون ويهيئون الظروف لقبضة من المجانين لخنقنا في تدبيرهم السيئ للسياسة الدولية، ليقرروا  ويرفضوا ما يشاؤون.

 هناك عامل أساسي ودال وواضح لا نعطيه حقه من الاهتمام، وهو كون المجتمع الدولي، كما الحكام والسياسة الدولية، كلهم رهينة في يد اليهود الصهاينة، هذا واقع، الكثيرون يحاولون الالتفاف والتعتيم عليه، بل والهروب منه. كل الشر الذي يهيمن على العالم توجد جذوره ومصادره هنا. لو لم يكونوا هؤلاء لكان العالم يعيش في سلام، في أمن، في استقرار، وفي عدل وتناغم.

 الرئيس الأمريكي، فقط بعد 24 ساعة على تنصيبه في الولاية الأولى، قال بأن الفلسطينيون مجبرون على الاعتراف ب”إسرائيل” وبأنه سيفعل كل ما يستطيع وبكل إمكانيات بلده لضمان أمن هذه “الدولة” التي أنشأت على أرض مسروقة من أهلها، كما فعل أجداده حينما سرقوا الأرض من أصحابها الأصليين وأبادوهم. وكان هذا تجاهلا أو جهلا من الرئيس الأمريكي بأن المشكلة ليست في الاعتراف ب “إسرائيل” بل في رفضها الاعتراف بحق الفلسطينيين. 

 لا أحد في العالم وديمقراطياته المنافقة يسأل، كيف إن “دولة” صغيرة وبسكان قليلين وموارد شحيحة، يمكن لها تمويل عدة حروب خلال أكثر من ستين عاما، وقبلها أربعون سنة أخرى، حينما تم جمع آلاف من الأشخاص من كل أركان العالم وتجييشهم ووضعهم في أرض ليست ملكهم؟ ولا تنتهي المسألة هنا، بل إن هذه “الدولة” تتغذى وتعيش بصفة مستمرة ومتواصلة من الحرب، لأن “شعبها” لا يستطيع العيش بسلام وبدون حروب وقتل، فقط لأن الشر والجريمة يسريان في دمه. كما أن تمويلها يتم عن طريق جيوب كل الأمريكيين والغربيين بصفة عامة، بعدة ومختلف الوسائل، وكلها غير مشروعة ولا شرعية، لتأبيد الظلم وقهر شعب اجثث من أرضه التي احتلت في واحدة من أبشع وأنذر الفضائح الدولية.

 إذا كان الأمر على هذا الحال، من سيعترف بحقوق الفلسطينيين، ومن سيدافع عنهم ويحمى أمنهم الذي سرق منهم منذ 100 سنة؟ العالم الظالم يطلب كل شيء من الفلسطينيين، ولا أحد على استعداد لكي يمنحهم شيئا في المقابل. أليس حقا بأن هذا العالم مجنون ومحكوم من طرف “مجانين ديمقراطيين ومنافقين”.

 الإرث اللغوي العربي يشرح ما سبق قوله بالآتي : شرح الواضحات من المفضحات. لأن واقع إنشاء “دولة إسرائيل” هو ظلم، جريمة وفضيحة دولية بكل المقاييس كما هو احتقار للإنسانية. الرجاء مراجعة واستشارة التاريخ.

 بعد كل الحروب السخيفة والظالمة التي شنتها العصابات الصهيونية وحلفائها العبيد، نشأت وتنشأ وتتجدد أجيال من الفلسطينيين التي كتبت وتكتب وستكتب صفحات مضيئة من التاريخ العالمي والإنساني لتمحو كل خيالات وأحلام بعض الرؤوس الصلبة والنفوس المريضة.

قبل عقود، والى الأبد سيصعب على حلفاء التسامح والتعايش إقناع الآخرين الانخراط في جهودهم للسير في هذا الاتجاه.