الكرامة ليست قابلة للتفاوض بقلم: المختار الغربي

0

 

دخل الأستاذ في اليوم الأول من بداية السنة الدراسية ليلقي درسه “المدخل الى القانون”. بمجرد وقوفه أمام منصة الخطابة، أشار بيده لطالب وسأله عن اسمه، فرد عليه الطالب كاشفا له عن الاسم. أمر الأستاذ الطالب بأن يغادر الغرفة في الحال وصاح في وجهه: لا تعود أبدا. بعد أن أفاق الطالب من الصدمة والدهشة وعودته الى وعيه، جمع أغراضه وغادر.
جميع الطلبة أصيبوا بالذعر من هذا الموقف الغريب، لكن، لا أحدا منهم فاه بكلمة ولا كان له رد فعل. وعاد الأستاذ بهدوء الى درسه متسائلا: لماذا تصلح القوانين؟ وبعد عودة الهدوء الى نفوس الطلبة، بدؤوا في الاجابة: لكى يكون هناك نظام في مجتمعنا. لا، رد الأستاذ، لتطبيقها. لا، كرر الأستاذ مرة أخرى. لكي يؤدي الأشخاص الخطاؤون ثمن أخطائهم. لا. انتفض الأستاذ من هذه الأجوبة وأضاف قائلا: هل من أحد يعرف الجواب لهذا السؤال؟ وفي رد خجول قالت طالبة: لكى ننفذ العدالة. أخيرا، لكي ننفذ العدالة، أي لتنفيذ العدالة.
والآن، ما هى العدالة؟ سأل الأستاذ. بدأ الطلبة يتضايقون من التصرف المقرف والمتعجرف للأستاذ. رغم ذلك استمروا في الاجابة، التي تلخصت في: “العدالة لحماية حقوق الانسان”. طيب. وماذا بعد؟ سأل الأستاذ، الذي تلقى جوابا آخر: لنفرق بين الخير والشر، لتعويض الذين يفعلون الخير. طيب، هذا ليس سيئا. لكن، أجيبوا عن السؤال: هل كان تصرفي سليما حينما طردت زميلكم؟ الجميع صمتوا ولم يتجرؤوا على الجواب. فصاح الأستاذ: أريد جوابا بالإجماع. لا، أجاب الجميع بصوت واحد. هل يمكن القول بأنني اقترفت ظلما؟ نعــــم. رد الطلبة بصوت واحد.
ولماذا لم يفعل أي أحد منكم شيئا حيال هذا التصرف؟ لماذا نرغب في القوانين والقواعد اذا لم تكن لنا الارادة الضرورية لتطبيقها وتفعيلها وممارستها؟
كل واحد منكم ملزم بالكلام اذا كان شاهدا على ظلم. كلكم، لا تلوذون بالصمت أبدا. اذهبوا ونادوا على زميلكم، قال الأستاذ، مضيفا: “في النهاية، زميلكم هو الأستاذ، أنا فقط تلميذ من زمن آخر. تعلموا، حينما لا ندافع عن حقوقنا، تضيع الكرامة. والكرامة غير قابلة للتفاوض”.

من هذا الدرس البليغ في الحقوق والكرامة، نستنتج التالي علاقة بحالنا في المغرب:

هناك أسباب وعلل كثيرة تعرقل إرادتنا في تنظيم أحوالنا وشؤوننا العامة، والمفارقة أن أغلبها رسمي لأنها أساسا مبنية على نوعية الأفكار والتصورات التي تسكن عقلية أصحاب القرار ومن يعملون على تصريفها، تنم عن تخلف وقصور في طبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
لقد توضحت عدة أمور خلال الثلاثين سنة الماضية تشي بأن الدول والشعوب التي عزمت على حسم أمورها التنظيمية، فعلت ذلك وأفلحت بسهولة، فقط بحسن النوايا واحترام القوانين، وأساسا ببناء النصوص والهياكل على جزئيات قد تبدو تافهة ولكنها كحجارة مرصوصة لبناء صلب وقوي.
في بلدنا يتأكد يوم بعد يوم أننا فاشلون ولا نعرف كيف نبني دولة حسب المواصفات (المتعارف عليها دوليا)، ولا نستطيع حتى مجرد التحكم في جزئيات صغيرة وتافهة بالفعل، وقد لا تتطلب أصلا لا قوانين ولا نصوص ولا إجراءات، فقط يتطلب الأمر النية الحسنة والتفكير السليم والحكمة في التدبير و… التحرر من سيطرة سلطة النفوذ والثراء والانتهازية واحتقار الآخرين.
من أبرز سمات الوضعية القانونية والقضائية في المغرب، وعلى مدى الخمسين سنة الماضية، أنها لم تكن مثار خلاف عند كافة الشرائح، فيما يتعلق بسيادة الرأي على أن هذا القطاع معتل وتشوبه أعراض الاختلال في كافة مكوناته وهيآته، بل تأكد أن هذا الاعتلال بالذات هو سبب كل الأمراض التي تنخر كيان المغرب في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة. وبسببها خسرنا عدة معارك عانى منها المغاربة داخليا وشوهت سمعته خارجيا. وكانت لها مضاعفات ونتائج خطيرة أرخت بظلالها الثقيلة على كل الآمال فيما يصطلح عليه بدولة الحق والقانون.
كإعلامي، عشت وسجلت خلال الأربعين سنة الماضية من حياتي المهنية كل القضايا التي كان فيها بعض المشتغلين بالقانون والقضاء طرفا عصيا على فهم تدخلاته وتجاوزاته المريبة، والمغاربة أعلم بالملفات والقضايا الكبرى التي كانت مثارا للشبهات، ومنها المتعلقة بالصحافة والإعلام. وقد تحاشيت دائما الخوض في هذا الموضوع من خلال كتاباتي بصفة عامة.

 مظاهر  وكنت أعتقد أن بعض القضايا الكبرى التي شابتها بعض العيوب تبقى بمنأى عن القضايا الصغيرة بين الأشخاص العاديين رغم القصص والحكايات والوقائع التي عاشها بعض المتقاضين من المدعين والمدعى عليهم. لكن، مع مرور الوقت والقضايا اتضح أن الأمر أخطر مما كنت أتصوره أو أعرفه في حدود معرفتي ومعلوماتي، إذ اتضح لي أن هناك نوعاً من القضايا المعروضة على المحاكم يمكن أن تكون سببا في مآسي اجتماعية كارثية وذات أبعاد سياسية خطيرة تتعدى الأشخاص والوقائع لتصبح عبئا على النظام السياسي ككل.
قيل ويقال أن لنا ترسانة من القوانين صالحة لكل زمان ومكان، ولكل النوازل، فقط يجب تفعيل تلك القوانين، وهذا دليل أن أحوال المغرب سائبة. لكن، يغيب عنا أن القوانين الموجودة لا تطبق فقط، ولكن يقع استغلالها وكلمة الاستغلال هنا واضحة، أي أنها تعبير عن التطبيق بالمقلوب، بمعنى آخر يقع تحريفها وتشويهها.
نستشهد بهذا لنثبت أن هناك حالات بارزة وواضحة ومفضوحة يقع التعامل فيها بهذا المنطق، أي استغلال القانون بواسطة التدليس، وفي القضاء لبلوغ أهداف ظالمة بتضليل العدالة.