المملكة العربية السعودية ومصاعبها الاقتصادية بقلم: المختـــار الغربـــي

0
85

 

 

يتم منذ عدة شهور تداول مظاهر الأزمة الاقتصادية التي تعيشها المملكة العربية السعودية والتي استفحلت بسبب عدة عوامل تتعلق بالفوضى والتسيب نتيجة لبعض السياسات غير المحسوبة وغير المتحكم فيها في تعاملها مع الشأنين الداخلي والخارجي.

قبل عدة أسابيع تم اتخاذ اجراءات تقشفية صارمة، من ضمنها تخفيض الأجور ووقف بعض المساعدات الاجتماعية وغيرها.
بتاريخ 3 مارس 2005 كنت قد نشرت سلسلة من المقالات حول السعودية بعد عودتي من رحلة حج، وأعدت نشرها تحت باب “لبيك اللهم لبيك” في كتابي “حفريات من زمن اليأس” الذي صدر أواخر عام 2008. في الجزء الرابع من تلك السلسلة كتبت مبكرا عن مصاعب السعودية المالية والاقتصادية تحت عنوان “البطالة، التشغيل وأشياء أخرى”

فيما يلي أعيد نشر ذلك الجزء، وهو عبارة عن مقال يعدد بعض من مظاهر أزمات السعودية التي بدأت ارهاصاتها من حتى قبل 2005.

البطالة، التشغيل وأشياء أخر

قال وزير العمل السعودي في منتدى جدة الاقتصادي الذي عقد يومي 20 و21 فبراير 2004 في إحدى جلسات المنتدى، أن وزارته تبنت خطة ملية خماسية تهدف إلى القضاء على البطالة مع ضرورة إجراء إصلاحات تعليمية جذرية للملاءمة مع سوق العمل والتخلي عن النظام القديم الذي يحد من اكتساب الطلاب المهارات الأساسية التي تؤهلهم للإندماج في سوق العمل… ورغم أنه قلل من خطورة العمالة الأجنبية بقدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص واستيعاب حجم البطالة في وسط الشباب في المملكة، فإن الواقع يشي بغير ذلك، فإلى حدود بداية الثمانينيات عاشت السعودية في بحبوحة اقتصادية بفضل البترول، وخصوصا العشرية التي أعقبت الحرب العربية اليهودية في أكتوبر 1973، وهذا الانتعاش الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية لم تكن تتطلب إلا استخراج النفط وبيعه والحصول على ثمنه، مما كان سببا في (كسل اجتماعي واقتصادي) تعاني المملكة اليوم من تداعياته وتبعاته الخطيرة، فقد كان معروفا أن السعوديين بدون استثناء يتوفرون على كل أسباب الرفاهية وضمانات العيش المريح مع التركيز على الحالي من الزمن ونسيان الآتي منه، وكان من نتائج هذه السياسة إهمال في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما أفرز نقصا خطيرا في المشاريع والتكوين، حيث لم يجد المواطن حاجة لهما وخصوصا الشباب الذين رضعوا من صنابير البترول وشبوا سابحين في بحور الدولار. اليوم كل هذا تبخر وأصبحت المملكة تعاني كأية دولة أخرى لا مورد لها، وأمامها سنوات طويلة لإصلاح أحوالها التي تعقدت بفعل سياساتها الداخلية والخارجية وخصوصا منها ما يتعلق بالتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لها، والذي زاد منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990.

وبالعودة إلى (الظاهرة الاقتصادية الجديدة) التي تعيشها السعودية اليوم في شطرها الاجتماعي، فقد وجهت الجهود لإجراء الأبحاث لمحاصرة مظاهر البطالة التي تكاثرت خلال العشر سنوات الماضية، وهناك توجه لتشغيل أعداد كبيرة من الشباب السعودي في القطاع الخاص كل سنة، والأرقام تتحدث عن 120 ألف في السنة من أجل التشغيل، و200 ألف سعودي من المنتظر أن تشرف وزارة العمل على تدريبهم وتأهيلهم، لإدماجهم في سوق العمل. هذه الوضعية جاءت نتيجة لحالة «الاتكال» التي أفرزتها «الطفرة البترولية» والتي كان من المفروض أن تكون أداة لبناء اقتصادي قوي لا يتأثر بالهزات الاجتماعية التي تعيشها السعودية والمتمثلة في بطالة الشباب، ومحدودية آفاق التشغيل وقلة المشاريع التنموية والهياكل الاقتصادية التي تتطلب سنوات من البناء. وقد تنبهت بعض دول الخليج لمثل هذه الاختلالات في بناء هياكل الإنعاش الاقتصادي مما أكسبها مكانة دولية مرموقة أضافت إليها استثمارات أجنبية مهمة.

ومن الأرقام المقلقة بالنسبة للسعودية في هذا الاتجاه، هو ما أعلن عنه في بداية هذه السنة، 2005، وجود مليوني منصب عمل في يد الأجانب كان من المفروض أن يشغلها سعوديون، وهو أمر يجعل السلطات السعودية تفكر في دراسة كيفية الحصول على هذه المناصب وإسنادها لمواطني المملكة، مع أن هذا الأمر صعب ومعقد لاعتبارات مختلفة، أهمها كون نسبة كبيرة من الخدمات في كافة المجالات بيد جاليات أسيوية، كما أن هذه الخدمات بالذات يستنكف السعوديون عن القيام بها. ولهذه الظاهرة تداعيات خطيرة، أقلها انتفاء عنصر الجودة وعدم اللامبالاة والفوضى وصعوبة الحصول على خدمات منظمة ومنتظمة وذات مستوى مقبول، كما أنه من الصعب وجود خدمات متنوعة تسمح بالتفاضل والاختيار. ولهذا الأمر أيضا إنعكاسات سلبية حتى على الحفاظ على التقاليد والأصالة، ويمكن تشبيه كل هذه الاختلالات بالحياة الأمريكية، ولكن في أشكال مشوهة وممسوخة، حيث السرعة والاكتفاء بالقليل. وقد أثارتني ظاهرة تسببت لي في حالة من الارتباك النفسي، ذلك أنه للحصول على كأس قهوة، كان لا بد من تناولها في كأس من الورق المقوى، مع شربها واقفا أو سيرا على الأقدام، بدل تناولها في جلسة هادئة ومريحة جالسا على كرسي وأمام طاولة وفي مقهى.

هذه حالة عامة وخاصة في نفس الوقت، ولكن بالتأكيد لها ارتباط بنفس الموضوع الذي نحن بصدده.

Dejar respuesta

Please enter your comment!
Please enter your name here