النية والقصد تسافت عبد الله

0

ظهر منذ فترة قصيرة فيديو صور في منطقة الاطلس المتوسط والقي به في الفيس بوك يتحدث فيه شخص  عن احدى العائلات التى تعيش في براري المنطقة وعن معاناتها عندتساقط الثلوج ، ووعد بان يقوم بزيارتها حتى يقرب الصورة لدى المتصفح حينما تقسو الطبيعة هناك . 

اليوم وصلني من احد الاصدقاء على الواتساب فيديو لنفس الشخص صوره وهو في طريقه لزيارة هذه العائلة وهو يقول بانه يبر بوعده لنا في هذا الفيديو  . وكان وهو يمشي وسط الثلوج يتحدث عن هذه العائلة التي تعيش بعيدا عن تجمع السكان  تقمص دور صحفي مراسل لكن بخطاب فيه من الاستجداء والوعظ اكثر من الوصف . وعندما اقترب من مسكن هذه الاسرة بشرنا نحن المتصفحون بالمفاجاة وحرارة اللقاء داعيا الى مشاهدة المنطقة قائلا : تمعنوا ! لا مستشفى ولا مساكن ومن مرض هنا حتى باللوزتين لن يجد من يعالجه . انا ارد على ما قاله :

هذه الاسرة تعرف يقينا ان فصل الشتاء هكذا  حاله في كل بقاع المعمور .  ومع ذلك تمر السنوات والعقود وكلما دارت عجلة الزمن الا وازدادت جدورها ضربا في اعماق المكان رغم قساوة الطبيعة ، فلماذا اراد صاحب الفيديو ان يجعلها ماساة ؟ انا اصولي من الاطلس الكبير حيث القمم اعلى من تلك التي يتحدث عنها صاحب الفيديو . اعرف كيف يعيش الناس في هذه المناطق . هم يتاقلمون مع تقلبات الفصول فلماذا يظهر علينا بين الفينة والاخرى اشخاص لم يجدوا في هذه التكنولوجيا الرقمية سوى الشكاوى ونداءات الاستغاثة بل حتى التسول . تلك السيدة واسرتها ليست استثناء . هكذا عاش اباؤها واصولها ، فالمكان امتداد لجسمها .  فلماذا نوحي لها بانها مظلومة وانها متخلى عنها . كل سكان المناطق  المشابهة لهذه المنطقة يشتكون حينما يحل فصل الثلج ، فماذا ترك صاحب الفيديو للاسكيمو الذين يعيشون الزمهرير طوال السنة . وتمر عليهم اسابيع لا يخرجون من اكواخهم التي يتنقلون بها من مكان لاخر بحثا عن حيوان فقمة او ثقب في الجليد ليصطادوا سمكة فيكتفون باكل اللحوم المجففة المخزنة عندهم . وماذا ترك لقبائل منغوليا التي تعيش في البراري ظروفا اقسى من هذه التي تعيش فيها هذه العائلة المغربية .

عندما وصل صاحب الفيديو الى المكان حيث كانت صاحبة البيت تنتظره  وسط الثلوج .  غلبته دموعه على وضعها . وتلك هي المفاجاة وحرارة الاستقبال اللتان بشرنا بهما  في بداية الشريط .  وهو يقول مسكينة . 

وصوتها ينادي « محمدينو » اسم غالبا ماتنادي به الام ابنها المسمى محمد . وكان يرافقه بعض الشباب لمساعدته على ايصال بعض الحاجيات لهذه الاسرة

وحتى يبين لنا ظروف مسكن هذه الاسرة ،  ركز الكاميرا على  البناية التي على عكس ما اوحي لنا ، بدت انيقة في هندستها حيث استعملت فيها صخور جعلت منظرها جميلا ، علما بان اغلب الدور في المناطق الجبلية التي تسقط فيها الثلوج في المغرب  تبنى على هذا الطراز بمواد محلية واصحابها ادرى بما يلائم شكل حياتهم في فترات العام . 

لست هنا بصدد اصدار حكم لا على الشخص ولا على الشريط ، فنية صاحبه موكولة الى الخالق عز وجل ، بل فقط لاثير الانتباه الى ان مثل هذه الفيديوهات والتعليقات المرافقة لها يستخدمها البعض في الداخل وفي الخارج للاساءة الى بلدنا .  ان صاحب الفيديو وهو يتحدث مع المشاهد  اغرق عمله في خطاب المصلح الذي يفعل الخير ، عندما نادى على اؤلائك المرتبطين بالانترنيت ليستيقظوا منبها اياهم الى انهم سيقفون امام الله عز وجل . فماذا سيقولون له حينما يسالون عن امثال هذه العائلة . ولعله في تلك اللحظة والكاميرا تسجل اخدته حالة دعا الله فيها ان يرحم كل من يحب الفقراء  وان يحشره مع الفقراء وان يجعل عمله هذا خالصا لوجهه الكريم .

هنا اتساءل : الم يكن من الاجدر لوقام بهذا العمل بينه وبين ربه دون ان يصلنا خبره فيكون بذلك قد دخل في صنف السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل الا ظله ؟  حينها ينطبق عليه وصف الرجل الذي تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه . ان المرء في حالة مشابهة يكون ادرى من غيره ، هل كان عمله لله ام لغيره . 

ومن قرا كتاب تلبيس ابليس سيسال نفسه باستمرار لماذا قمت بهذا العمل وما الهدف منه . 

هذه الاسرة تمتهن الرعي كباقي سكان هذه المناطق ، ويبدو ذلك من خلال الزريبة القائمة قرب المنزل ، وقد احيطت   بنبات السدر ذي الاشواك الحادة  الذي يضعه الكسابون حولها لمنع القطيع من الخروج او تسلل ذئب الى داخلها . 

وكان من ادوات الخطاب المستعمل في الفيديو  اظهار معاناة الاطفال مع البرد لذلك نادى على طفل صغير ركزت الكاميرا على وجهه وصوت صاحب  الفيديو يتحسر عليه لانه مريض .  بعض الاشخاص الذين ينجزون مثل هذا العمل يعرفون او لا يعرفون ان هناك عائلات كثيرة تسكن بعيدا عن التجمعات السكنية وحينما يتحدثون عنها يستعملون لفظة التهميش والحالة ان هذه الاسر تظل في مكانها ولا تحب الانتقال الى مكان ءاخر ، اما لانها تعيش فوق عقارات تملكها بما تحويه من اشجار مثمرة اوغير مثمرة ، ولها فيها ءابار او قطعان ماشية … الخ فهل على السلطات ان تعبد لكل مسكن طريقا وتبني له مستشفى ومدرسة . 

لابد ان نكون منطقيين في احكامنا  . كثيرا ما امر بمناطق في المغرب تتراءى فيها دور متباعدة بمسافات بينها وبين بعضها فاتساءل . لو طلب من هذا الشتات ان يتجمع في مكان واحد حيث تكون المدرسة والمستشفى والمرافق الضرورية متوفرة هل سيقبل . وهل حينها ستختفي كلمة التهميش هذه ؟

اعود للفيديو الذي جعلته موضوع هذا المقال فاؤاكد ان علينا ان نكون حذرين حينما نقوم بعمل سيطلع عليه الخاص والعام وان ننحى فيه الى اظهار الجيد والسيئ في ءان واحد وان لم نستطع فلناخد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم .  » من كان يؤمن بالله واليوم الاخر ، فليقل خيرا او ليصمت « 

لذلك اؤاكد في الختام الحرص  احالة كل عمل من هذا النوع الى النية والقصد منه .

تسافت عبد الله .