حول سبتة وحرب تطوان 1859-1860 اعداد وترجمة: المختـــار الغربي

0
87

 



قبل عام 2004، لم يسبق لي أن تعرفت على القنصل العام لإسبانيا بطنجة (2002-2004) الدكتور خوصى رامون رماشا، وفى شهر دجمبر 2009 عاد الى طنجة ليشارك في الدورة الثالثة للحوار الأوربي المغربى للاتحاد من أجل المتوسط: ما هى الآفاق للمغرب، اسبانيا والأندلس.
في تلك المناسبة التقيت به وأجريت معه حوارا، كان بالنسبة لكلينا من أفضل وأهم الحوارات التى أجريتها. نشر الحوار باللغة الاسبانية بتاريخ 10 دجمبر 2009
قبل إجراء الحوار بثلاثة أشهر، كان قد شارك في الدورة 12 حول تاريخ سبتة، التي احتضنها معهد الدراسات السبتية، حيث قدم عرضا طويلا ومهما حول حرب تطوان بعنوان: الحرب لا هي كانت طويلة ولا قصيرة: سلم تطوان 1860
منذ ذلك التاريخ أصبحنا صديقين نتواصل كلما سنحت المناسبة. قبل عدة أسابيع أرسل لي نسخة من ذلك العرض القيم، في إصدار على شكل كتيب صغير وطباعة أنيقة، أصدره مؤخرا ذلك المعهد. ولأهميته ارتأيت تقديم ترجمة لأهم ما جاء فيه، اعتبارا لكونه يتعلق بفترة حرجة من تاريخ شمال المغرب وارتباطه بالوضعية الخاصة لمدينة سبتة.
 قبل ذلك، أقدم تعريفا بالدكتور رماشا أو ” سفير اسبانيا” وهى صفته الجديدة التي اكتسبها في واحدة من أنذر الحالات في الدبلوماسية الاسبانية، حيث أنه وبعد المسؤوليات الكبيرة التي تحملها في الخارجية الاسبانية وبعد أن كان قنصلا عاما في بعض الدول وبعد أن تقاعد، رقى إلى درجة “سفير اسبانيا” هكذا، بموجب ظهير ملكي في شهر ماى 2007. وهو الآن يتمتع بهذه الصفة وأستاذ للقانون والعلاقات العلاقات الدولية في عدد من الجامعات الاسبانية وغيرها

كانت الدورة 12 لتاريخ سبتة، التي نظمت في شتمبر 2009، مخصصة “للحرب الإفريقية الأولى (1859-1860). حدث تاريخي كان قد مرت عل 150 سنة، حيث اعتبرت مدينة سبتة كقاعدة أساسية لعمليات الفرق الحربية الاسبانية.
أيام الدورة تناولت بإسهاب هذا الموضوع بطريقة شاملة حول كل مظاهر الأزمة، الحرب من وجهات النظر المغربية والاسبانية، البعد الدولي ودبلوماسية الأزمة، تدخل المتطوعين الكطالانيين وإلباسك، المظاهر الايقونية وأثرها على الشبكة المدنية والدينية للمدينة.
معهد الدراسات السبتية وشعبة التاريخ به، أراد بتنظيم ذلك اللقاء استرجاع ما أطلق عليه من طرف أحد المتدخلين “الحرب المنسية” بعد مرور 150 سنة على ذلك الحدث التاريخي بالنسبة لتاريخ سبتة وشمال أفريقيا. كما أن حرب تطوان اعتبرت كقضية مقدسة للمجتمع الاسباني، حيث تمكنت من لم شمل قطاعات متنافرة منه.
تحت عنوان “سلم تطوان 1860: لا هو صغير السلام ولا هي كبيرة الحرب” يبدأ البروفيسور رماشا بحثه بمدخل يثمن اختيار معهد الدراسات السبتية لهذا الموضوع، في الذكرى المائة والخمسون للحدث، الذي يصفه ب”مهم في تاريخ اسبانيا وفى التعرف على المغرب” لأن أيام الدورة، فضلا عن أمور أخرى، فإنها ” ستمكن من بقاء المسألة المغربية مفتوحة بمفتاح ايجابي وللإجابة على آمال وانتظارات التفاهم، التي، من الجانبين معا للحدود، نتمنى تحقيقها في جو من الصداقة والتعاون”.
علاقة الباحث بسبتة بدأت منذ التسعينيات من القرن الماضي بحكم عمله الجامعي واهتمامه بقضية الحدود في نطاق الحقوق الدولية، بالأخص خلال قيامه بمهامه كقنصل عام لإسبانيا بطنجة، سنوات 2000-2004، حينما كان يزور سبتة مرارا لكي يتابع عن قرب تعقيدات هذه الحدود) يقصد الحدود الوهمية مع سبتة.)
“في تلك السنوات، كان من نصيبي أن أعيش أزمة جزيرة المعدنوس وتداعياتها في التباعد بين مدريد والرباط، لكن بما أن المهام المطلوبة تفرض تجاوز لحظات أزمة سياسية، فان العمل القنصلي أصبح مهما ومليئا بالتحدي، هناك كانت زياراتي المتكررة إلى سبتة موردا مقبولا وثريا. من هذه المدينة تعيش وتحس بالمغرب بطريقة شاملة ومندمجة، ودليل ذلك هو أن حرب افريقيا ، حدث مغربي يعود أيضا لتاريخ سبتة.
بعد هذا المدخل، يفتح رماشا عنوانا آخر حول المميزات العامة لحرب إفريقيا واختلافاتها عن حرب الريف، “حيث أن الأولى (حرب تطوان 1859-1860) غير معروفة كفاية، وفى أحيان أخرى منسية، تختلف كثيرا ومن أوجه متعددة، بالنسبة للثانية، المعروفة أكثر بحرب الريف (1921-1927). الاثنان حربان كانت ساحتهما المغرب، لكن في هذا التشابه تبتعد امكانية التأكيد على أن هناك علاقة لأسبابهما أو الاستمرارية بينهما، حيث العكس هو الصحيح”.
هكذا يقرر الباحث أن يبدأ بأهمية إبراز الاختلافات بين الحربين بالتركيز على قضية حرب واد الراس، حيث يعتبرها في حد ذاتها، بظروفها، أسبابها ونتائجها، داخل نص العلاقات الاسبانية المغربية. “فإذا كانت الاختلافات بين واحدة وأخرى كبيرة، يفضل تلافى تأثير صورة الأكثر معروفة على الأولى، الأكثر منسية”.
بالنظر إلى الحربين، من وجهة نظر طرفي المعركة، نحصل على المشهد التالي:
أولا: من الجانب المغربي
في عام 1859 كان المغرب في صلب تغيير الملكية، حيث تحولت السلطة من مولاي عبدالرحمن إلى ابنه محمد الرابع بتوافق مع أخيه مولاي العباس، في إطار نظام البيعة. تلك اللحظة كانت حرجة وغير مستقرة، اعتبارا للنظام السياسي المغربي وخصوصياته الدستورية، المكتوب منها وغير المكتوب. إضافة إلى أن المرحلة كانت تتميز بالتدخل الأجنبي، الفرنسي والانجليزي بوجه خاص، مما كان يغرى بالانتقام في مواجهة الأجنبي، مع الميل إلى التهدئة.
الحرب الثانية، حرب الريف، بدأت في عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ واستمرت خلال حكم أخيه مولاي يوسف.، عندما تم احتواء المخزن من طرف الإقامة العامة الفرنسية، الموجهة من الرباط من طرف المقيم العام الجنرال ليوطئ. هكذا ظهرت الصورة بأن التدخل الأجنبي كان كبيرا في الشؤون الداخلية للمغرب.
“حرب إفريقيا” أو الحرب الأولى أو حرب تطوان، 1859-1860، تطورت حسب المواصفات التقليدية، وانتهت بطريقة رومانسية. فالمغاربة كانوا يثقون في فرسانهم كقوة للمواجهة، ومسرح العمليات كان واد الرس، لهذا فقد كان بسيطا ومعروفا أكثر مما كان عليه الأمر في حرب الريف، كما أن الخصم كان جيشا كلاسيكيا مدعوما وموجها من طرف المخزن.
في الحرب الثانية، حرب الريف، الخصم لم يكن جيش السلطان، إنها حرب تجد تفسيرها ومرجعيتها في إطار مؤتمر الجزيرة الخضراء لعام 1906، وفى ظروف الحماية على المغرب، أما حرب تطوان فقد تميزت بقصرها وقلة ضحاياها من الطرفين، وانتهت بهزيمة كانت نتائجها الاقتصادية باهظة على المغرب، بخلاف الحرب الثانية التي انتهت بصلح في الريف وخسائر كبيرة في الأموال والأرواح، خصوصا في الجانب الاسباني.
كتلخيص، من الجانب المغربي، المقاتلين، التدخل الأجنبي، الأسباب والنتائج مختلفة بين الحربين، حرب تطوان وحرب الريف.
ثانيا: من الجانب الاسباني
وقعت حرب واد الرس عقب الانسحاب من أمريكا (1824) وفى خضم توارى القوة البحرية التي انتهت عام 1898. إنها فترة عسكرية وعدم الاستقرار السياسي. رغم ذلك فإنها مهدت للتوسع الاستعماري الأوروبي في إفريقيا بالنسبة لإسبانيا، وكانت تلك الفترة تسمى “الأفرقة”، نسبة إلى اكتساح الأجنبي لإفريقيا، فقد انفتحت شهيتها مع انطلاق مؤتمر الجغرافية الاستعمارية والتجارية بمدريد عام 1883
إنقاذ الشرف الوطني، كان هو محرك الحرب الأولى والهدف الأساس، عبر حملة برزت فيها روح الوطنية، حيث شارك فيها متطوعون من كل الأقاليم الاسبانية، بتوجيه مباشر للعمليات من طرف رئيس الحكومة نفسه، تعبأت فيها إمكانيات ذاتية، مادية، وعسكرية كونت الجسم الهام والحاسم، على عكس حرب الريف التي كانت فيها معنويات الاسبان محبطة والدعم الشعبي ضعيف والإمكانيات قليلة وغير كافية. بالإجمال كانت حرب غير شعبية، بالنسبة إلى الجندي الاسباني في هذه الحرب، الخصم ليس هو جيش السلطان، بل الحركات الريفية التي يتزعمها عبد الكريم. إضافة إلى أن مسرح العمليات غير معروف والتغطية الإعلامية غير متوفرة.
أما حرب تطوان، 1859-1860، كانت هدفا كبيرا لتغطية إعلامية واسعة، توبعت باهتمام بالغ من طرب الاسبانيين أينما كانوا. حرب قصيرة انتهت بالنصر والمجد، والأخرى طويلة وبدون مجد، رغم الانتصار.
باختصار، من الجانب الاسباني، العدو كان مختلف، كما أن الأسباب والإمكانيات والنتائج للأزمتين كانت أيضا مختلفة.
تحت عنوان “الحقل الخارجي لسبتة في قلب الأزمة” يؤشر الأستاذ رماشا على بعض الخصائص المميزة للأسوار المحيطة بمدينة سبتة، من حيث الاتجاهات والطول وعلاقتها بتحديد طبيعة الفضاء الذى وقعت فيه حوادث يومى 10 و 11 من شهر غشت 1859، حيث أن أحد المتدخلين في هذا الموضوع أشار إلى أن طبيعة ذلك الفضاء الخارجى لم تكن واضحة، وأن تلك الحوادث كان من الممكن تبريرها إذا كان هذا الفضاء لا ينتمي حقيقة إلى سبتة. في هذا الشأن، وكما سنرى، فان للأستاذ رماشا وجهة نظر أخرى:
“إن مفتاح المسألة يوجد في نماذج المعاهدات السارية المفعول بين اسبانيا والمغرب. من جهة، هناك الاتفاقيات التي تشير إلى حدود سبتة في ذلك الفضاء، وهى اتفاقية مراكش لكارلوس الثالث بتاريخ 28 ماى 1767 (الفصل 19) ومكناس بتاريخ فاتح مارس لسنة 1799 (الفصل 15) والعرائش بتاريخ 6 ماى 1845 (الفصل الأول).
من جهة ثانية، لدينا تحديدان أنجزا عامي 1782 و 1844، الأول بأمر من السلطان على أساس الاتفاق الأول المشار إليه، والثاني بوساطة بريطانية تمت بالعرائش كما سبقت الإشارة”.
إن انتماء سبتة للحقل الخارجي يعود إلى القرن السابع عشر، على مستوى الاتفاقيات المحلية، يبدو ذلك على مستوى التفاهمات، على أساس استعداد سلطان المغرب سيدي محمد بن عبدالله الموجه إلى كارلوس الثالث، في مفاوضات اتفاقية السلام والتجارة التي تمت بمكناس عام 1767. وعليه، فبين عامي 1765 و 1766 ، خلال المفاوضات حول تلك الاتفاقية، تم توسيع الفضاء الخارجي تحت إشراف عامل طنجة، بواسطة تجديد التحديدات بوضع أهرامات من الحجارة، التي تكفل بها عامل تطوان. لقد تمت العملية بأمر من السلطان موجه إلى عامل طنجة في دجمبر 1781. في هذا الصدد، يشير الأستاذ رماشا إلى أن هذه التفاصيل اكتشفها رامون لوريد في الأرشيف التاريخي الوطني، كما قام رماشا بنشر ترجمتها إلى الاسبانية. ويبدو أنها لم تكن لترضى بعض الأطراف من الجانبين، الاسباني والمغربي. وعلى كل حال، وحسب رسالة مؤرخة في 31 أكتوبر، فان القنصل العام لإسبانيا بطنجة، فان تحديد المجال الخارجي لسبته بدأ تطبيقه بتاريخ 25 أكتوبر 1782
إن الأحداث المسببة لغزوة 1837 من طرف قبيلة أنجرة، دفعت إلى تدخل بريطاني، برضي اسبانيا، لتفادى الأزمة واسترجاع المجال الخارجي. إن تحديدات عام 1844 التي نفذت بتدخل من القنصل الانجليزي، اعتمدت على معاهدات سابقة، ومستوحاة من معاهدة العرائش لعام 1845 ومعاهدة مكناس لفاتح مارس 1799 المسماة معاهدة السلام والتجارة، تقر في فصلها 15 على حدود سبتة، سيستمر اعتبارها حسب ما هو منصوص عليه في المعاهدات السابقة، لتسهيل إمدادها بالماشية والكلأ.
تابعا باهتمام تطور ونهاية الأزمة وتداعياتها، هما فرنسا وانجلترا، الرائدان في الاختراق والاستعمار الأوربي لشمال إفريقيا. أما باقي الدول فقد اتخذت موقف الملاحظة والمتابعة، وهذا راجع إلى كون، والى حدود أواخر القرن، لم تكن هناك مظاهر للتوتر التي أفضت إلى مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906
اهتمام فرنسا بالمغرب يعود إلى إرادتها في التوسع الترابي الذي بدأته في القرن 19. بالأخص في شمال إفريقيا، وبالضبط تمشيا مع رغبتها في حماية وضعيتها التي كانت عليها في الجزائر بعد غزوها عام 1830، وانتصارها في معركة أيسلى عام 1844
على هذا الأساس، لم تكن فرنسا، حسب تطور الأحداث، راغبة في هزيمة اسبانيا، لأنه لو حدث ذلك لكان سيؤثر على سياستها الاستعمارية، ولكن في نفس الوقت لم تكن ترغب في أن تحصل اسبانيا على مكاسب ترابية. من هنا كانت متابعتها واهتمامها بحرب تطوان، بل كانت تميل الى حياد محسوب أدى الى قيامها بعمل تكتيكى بقصفها لبلدة مرتيل في 29 نوفمبر 1859، لإلهاء السلطات المخزنية عن استعداداتها للحرب، رغم أنها لم تكن تعلم متى ستكون ولا أين مسرح عملياته. 

Dejar respuesta

Please enter your comment!
Please enter your name here