حول سوق الشغل ومعضلة البطالة في مدينة طنجة بقلم: المختار الغربي

0

ليس من عادتي الخروج من البيت كثيرا، الا لأغراض منزلية أو عائلية، في حدود الحى الذي أقطن فيه أو مقرات سكنى أفراد العائلة والوالدة. لم يعد في مدينة طنجة ما يغري، حتى أنني منذ ثلاث سنوات لم أعد أحضر الكثير من الأنشطة لتفاهتها ونوعية موضوعاتها وبعض النماذج المشاركة فيها. أفضل المكوث في المنزل وتفادي ما يزعج مزاجي وتفكيري، أقرأ وأكتب وأتأمل وبينها اقامة صلواتي في مكانها الطبيعي، المسجد.

لكن، حينما أعلم أن هناك ما يمكن رؤيته أو مشاهدته أو معرفته من شؤون المدينة، أقصدها كنوع من الاطلاع على جديدها وجديد احتلالها من الوافدين الذين يقصدونها اعتقادا منهم أنها جنة المغرب وهم يسمعون عن أوراشها الكاذبة وتقدمها الخادع.

جولاتي المحدودة في المدينة تصيبني بالأسى والحزن على ما آلت اليه من تسيب أمني خطير، كنت دائما أتعرض بسببه للانتقاد لأنني أحاول في كتاباتي التخفيف منها  لكى لا أساهم في التشهير بالمدينة وأحوالها المزعجة، بحكم مسؤوليتي المعنوية كصحافي. لكن، في كل الأحوال هناك أمور غير سارة تضرب المدينة في كل المجالات.

من بين مظاهر التسيب الاجتماعي، ما يتعرض اليه شباب المدينة من اقصاء وتهميش وهم يعانون من البطالة. سأقدم نموذجا صادما لهذه الحالة.
بغض النظر عن القوانين أو المراسيم أو الجهة التي تؤطر مهام الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك)، هناك جملة من الملاحظات على التنفيذ العملي والميداني لتلك المهام. وإذ نشير اليها، نؤكد أنها ملاحظات مستقاة من معاينات وملاحظات رصدناها حول الخدمات التي تقدمها الوكالة وفروعها على التراب الوطني.


أولا: ان خدمات الوكالة وفروعها يشوبها غموض غير مبرر، بل وقد تفهم منها شبهات تحتاج الى توضيح.
ثانيا: ان هناك تمييزا في الخدمات المقدمة تتسبب في وقوع ضحايا من شباب المغرب.
ثالثا: ان المؤسسات أو المقاولات المشغلة لأشخاص وافدين، كما يقع في مدينة طنجة بالأخص، لا تلتزم بالقوانين الجاري بها العمل بتفضيلها لهؤلاء، الى حد يمكن معه فهم المسألة كأنها تواطأ متعمد، اذا اعتبرنا مسألة الأجور وساعات العمل ونوعية الشغل.
رابعا: الأسباب السالفة الذكر أفرزت وتفرز حالات مهنية، اجتماعية وأخلاقية خطيرة تعيشها المؤسسات المشغلة والشباب، والتأكيد على مدينة طنجة على وجه الخصوص، الذين يكتوون بنار البطالة، وأيضا المجتمع الطنجي.
خامسا: الحالات المهنية المشار اليها تشير الى أن أكثر من 60 في المائة العاملين بمختلف المقاولات ليسوا من المدينة. 


أما الحالات الاجتماعية والأخلاقية فأمرها مستفحل بشكل مأساوي بوجود شابات وشباب يساهمون في اختلال المعايير السكانية والأخلاقية للمدينة، الى حد انشاء أحياء هامشية تشتكي من هذه الحالات الخطيرة.
سادسا: لقد كان من المفروض على الوكالة وبالتالي فروعها وضع مقاييس صارمة للإشراف على عملية التشغيل، تساهم في تحسين مستوى العيش ومحاربة البطالة لشباب وشابات مدينة طنجة، بما يحفظ حقوقهم القانونية والإنسانية والاجتماعية وكرامتهم، وكذلك محاربة مظاهر الاختلال السكاني والفساد الأخلاقي، والذي نقصد به تفشي مظاهر الدعارة المقنعة منها والظاهرة.

هذه فقط بعض الاشارات، وما خفى منها أعظم وأخطر. 

لقد أصبحت كلمة الفساد مبتذلة ومائعة من كثرة الاستعمال، بأرجلها الأخطبوطية الخانقة للأنفاس والقابضة على منافذ التهوية المريحة. وإذا كانت هذه الكلمة جامعة لكل مظاهر التسيب المالي والسياسي وسوء التدبير واستغلال النفوذ والاختلاسات والشطط في استعمال السلطة وغيرها من مظاهر الفوضى وانعدام المسؤولية، فإنه أصبح محتوما تجديد المفاهيم المتعلقة بمثل هذه الأفعال وتصنيفها من الناحية اللغوية والقانونية والسياسية والأخلاقية. وكلها في اعتقادي مما يدخل في باب (خيانة الأمانة)، وهذا هو التعريف الصحيح الذي يجب على الراصدين لخطوات المنحرفين، أن يستعملوه بديلا عن كلمة الفساد، على الأقل ليكون هناك انسجام مع الفعل الإجرامي وتوصيفه من الناحية القانونية، لأن كل فعل من هذا القبيل مهما تعددت خلفياته ودوافعه هو خيانة للأمانة على كافة مستويات المسؤولية الفردية والجماعية، الخصوصية والعمومية. وبدون شك، هناك عدة آليات لضبط الأفعال المتعلقة بخيانة الأمانة قبل وقوعها، وأخرى لرصدها في المهد قبل الاستشراء والاستفحال. وثالثة لضربها (وهي ساخنة)، وبالتأكيد فإن كل مرحلة من هذه المراحل ستكون سيفاً معلقا على رأس كل من تسول له نفسه المريضة أن يقوم بفعل خيانة الأمانة ، وكلها أمور وخطوات لا تحتاج إلى أي إبداع أو خبرة، فقط نحن في حاجة إلى إرادة قوية لتحصين وتمنيع ترسانة القوانين الموجودة وتفعيلها و تعليقها على رقاب كل الذين نقلدهم المسؤوليات التي لها علاقة بمصالح الناس وأساسا بهيبة الدولة التي بهدلها خائنوا الأمانة ومرغوا كرامتها في وحل انتهازيتهم وأطماعهم. ولا نبالغ إذا قلنا : بلغ السيل الزبى وحان الوقت -إذا لم يكن قد فات- بأن تبدي الجهات المختصة «حنة يدها وتتكل على الله» لاجثتات جذور هذا الوباء الخطير الذي ضربنا ويضربنا.
ويبدو أن الأمور في طريقها إلى ترسيم الفساد لأن اللامبالاة وصلت حدا لا يطاق في ظل أوهام لا مبرر لها.
اليوم تعاد وتتكرر احدى عمليات التدبير السيئ لسوق الشغل والبطالة بوجه آخر، أقل ما يمكن أن نصفها به هو أنها عملية اجرامية بكل المقاييس.
بطلتها هذه المرة الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك). نفس السيناريو السابق، لكن بأساليب أخرى أكثر سوءا وسوداوية.
اليوم تقدم الوكالة للمقاولات خريجين شباب من جميع الكفاءات، لقمة سائغة لاستغلالهم بجميع الوسائل غير القانونية، بواسطة عقود عمل مؤقتة بينها وبين الخريجين أو الباحثين عن العمل في مقاولات تتعامل بالملايير، دون أن تقدم لهم أية التزامات، مقابل أجور زهيدة تسلب منهم الجهد والكرامة لخدمة تلك المقاولات كعبيد.

ان تلك العقود التي تبرمها الوكالة مع أولئك الشباب الباحثين عن العمل، عبارة عن قيود مهينة ومذلة، تقدمها لحماية المقاولات من عدة التزامات منصوص عليها في قوانين الشغل الجاري بها العمل، دون أية ضمانات قانونية في أى جانب من جوانب تلك الحقوق، من ضمنها ومن أهمها، ضمان الاستقرار في العمل والاستفادة من خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث أن العقود المبرمة بين الأنابيك والخريجين تحرر المقاولات من تلك الالتزامات والحقوق ولا تفرض عليها أى منها. كما أن تلك العقود التي تبرم لسنتين لا تلزم المقاولات بالاحتفاظ بالخريجين وترسيمهم وتحسين أجورهم وإعادة النظر ومراجعة أوضاعهم بصفة قانونية، اضافة الى أن تلك العقود غير قانونية.

وبعدها تروج الحكومة أرقاما فاسدة عن عدد مناصب الشغل التي ساهمت بها المقاولات وعدد المقاولات التي أنشأت وملايير الاستثمارات. لكن، كل ذلك عبارة عن تمويه وشبهات وأرقام لا معنى لها، لأن كل ذلك يتم بثمن باهظ جدا من الاستقرار الاجتماعي والمستقبل المجهول للشباب، ولا تخدم كل هذه المظاهر الفاشلة والمؤلمة الا أصحاب المقاولات والأغنياء الذين تزداد ثرواتهم ويزداد غناهم على حساب المخدوعين من الشباب وأجورهم المتدنية وكرامتهم المهدورة. ولا يساهم كل ذلك لا في حل مشكلة البطالة ولا في الاستقرار الاجتماعي. 

والآن دعونا نقدم الدليل الرسمي على ما قلناه وما لم نقله حول معضلة البطالة والتشغيل.
في ندوة تمت منذ شهور قليلة، حول ما سماه وزير التشغيل بالإستراتيجية الوطنية للتشغيل، قدمها لرئيس الحكومة كمشروع قانون لإعادة النظر في عمل 77 وكالة انعاش للتشغيل (أنابيك) بهدف خفض نسبة البطالة ب 2 في المائة. في هذه الندوة قال وزير التشغيل صراحة بأن (معضلة البطالة والتشغيل وصلت الى درجة مقلقة وتجعل من الباحثين عن الشغل كالمتسولين). 

طبعا، وزير التشغيل يشعر بفداحة الأمر، لأنه لم يعد هناك سبيل لإخفاء هذه الحقيقة المؤلمة، التي قدمنا عنها صورة مأساوية، كما سبقت الاشارة، لكنه لا يملك أية حلول إلا أن يتمنى خفض البطالة بنسبة لا تعني شيئا ولا أهمية لها.

أخطر من ذلك، اعتراف الوزير “بأن القانون المنظم للوكالات يعاني من عيوب تحد من فاعليته في امتصاص جحافل العاطلين التي تتدفق سنويا على سوق الشغل والمقدرة ب 180.000 شخص، وأن هناك نية (مجرد نية) في ادخال تعديلات على عمل الوكالات من شأنها أن ترفع الحيف عن 80 في المائة من العاطلين”.

لكن المثير أيضا أن يقر الوزير بأن ما يمكن انتظاره هو اضفاء الشفافية على سوق الشغل. هكذا يتأكد تحليلنا بأن الأمر خطير وأن هناك ما يشبه المصيبة في هذا الموضوع، أو هى المصيبة بعينها. 

في نفس السياق، وعلاقة بهذه الوكالة الكارثة، وحينما نسمع ما يروجه مسئولوها، نصاب بخيبة أمل وصدمة، لأن كل ما يقولونه في الندوات مجرد أرقام صماء وأماني لا سبيل لتحقيقها وليس لها أى هدف إلا من قبيل الاستهلاك المجاني لتبرير الفشل وعدم الكفاءة في الابداع، ولن تسمع منهم رقما واحدا صحيحا أو قرارا واحدا صائبا وقابلا للتطبيق، وإلا فما معنى نتوخى ونطمح وسوف وغيرها من الكلمات والعبارات الجافة والخرساء. 

ان المطلوب ليس هو ترويج مثل تلك التمنيات التي لا معنى لها، بل، المطلوب في البداية والنهاية هو ابداع الحلول لصالح العاطلين وقبلها تحصين الحقوق وترسيخها وتطبيقها حسب القوانين الجاري بها العمل وليس للادعاء الفارغ. كما أنه من المطلوب اجبار أصحاب المقاولات على تطبيق تلك القوانين وليس خلق قوانين هامشية لخدمتهم ومحاباتهم وتزكية أطماعهم وجشعهم. وإلا فلا معنى لأى منصب شغل أعرج ومعوق يزيد من معاناة العاطلين والباحثين عن العمل ويعمق جراح فقرهم وقلة حيلتهم.