صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 11 المحرم 1438 – 12 أكتوبر 2016 سؤال الرؤية الغائبة – فهمي هويدي

0

 

حين صوتت مصر لصالح مشروعين متناقضين لفرنسا وروسيا بخصوص سوريا في مجلس الأمن فإن ذلك ليس مفهوما حقا، لكنه ليس جديدا تماما.

وربما كان الجديد فقط هو في إخراج المشهد وأصدائه.

 

 أعني كون ذلك التناقض حدث في محفل دولي وأعلن علي الملأ.

 ثم إنه تعرض لنقد جارح من ممثل دولة حليفة مثل المملكة العربية السعودية.

وهو ما أحدث نوعا من الحيرة ودرجة من البلبلة.

 

 ليس فقط إزاء حقيقة وحسابات الموقف المصري، ولكن أيضا إزاء العلاقات المصرية السعودية التي بدا أنها تمر بمنعطف حرج بعد الإعلان عن توقف إمداد مصر بحصة شهر أكتوبر من النفط.

التناقض غير المفهوم في المواقف مرصود في مجالات أخري عديدة، الأمر الذي يستدعي سيلا من الأسئلة الحائرة التي تنصب على حقيقة الرؤية المصرية وحساباتها الاستراتيجية.

 

إذ بوسعنا أن نجد نماذج لذلك التناقض بين التصريحات الرسمية التي تتحدث عن العلاقات الاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة.

 

في الوقت الذي يتحدث فيه الإعلام المصري الموجه أمنيا عن التآمر الأمريكي على النظام المصري القائم. نجده أيضا في الحديث عن مركزية القضية الفلسطينية في السياسة المصرية، مع استمرار حصار مصر لقطاع غزة.

 

 كما نجده في العلاقة مع إسرائيل التي لم يعد كثيرون من الأجيال الجديدة يعرفون ما إذا كانت عدوا أم صديقا، لأن ما هو مستقر في الذاكرة والوجدان المصريين يتناقض بصورة حادة مع العلاقات الدافئة مع إسرائيل التي باتت صحفنا في مصر تتحدث عن مظاهرها وتفصيلاتها. حينا بعد حين.

 

نجده أيضا في تمجيد جمال عبدالناصر في الخطاب السياسي،

ثم الغلو في السير على نهج السادات ومبارك في الواقع المعاش. وهو ذاته السلوك الذي تتعدد مظاهره في السياسة الداخلية.

فبيان قيادة القوات المسلحة في الثالث من يوليو ٢٠١٣ أعلن عن خارطة طريق دعت إلى تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية،

ولكن السياسات المتبعة كرست الاستقطاب والإقصاء.

ودستور ٢٠١٤ دعا إلى مدنية الدولة ولكننا صرنا نعيش في ظل عسكرة الاقتصاد والنظام وقهر منظمات المجتمع المدني.

 

والدستور نص على حماية حرية التعبير والتظاهر السلمي في حين أن قانون التظاهر جرم ممارسة ذلك الحق،

وفي الوقت الذي تنفي فيه الداخلية وجود الاختفاء القسري فإن المنظمات الحقوقية تشهد كل حين قوائم بأسماء المختفين قسريا.

 

وحين قيل لنا إن القوات المسلحة قادرة على تأمين البلاد خلال ٦ ساعات فإننا استغربنا أن يستمر القلق والاضطراب في سيناء لأكثر من سنتين.

أما التناقض في السياسات الاقتصادية فحدث فيه ولا حرج.

فالإجراءات التي يقال إنها لن تمس الفقراء ومحدودي الدخل لم تضرب إلا هذين القطاعين.

ووعود الرخاء التي جرى تسويقها قبل عامين أصبحت كابوسا يؤرق الجميع في الوقت الراهن.

وحين أعلن شعار الحرب على الفساد فإن الذي حوكم وعوقب كان رئيس الجهاز المنوط به محاربة الفساد…إلخ.


هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن ثمة مشكلة ليس فقط في الشفافية والوضوح، ولكنها كامنة في صلب الرؤية المصرية التي تحول ما هو تكتيكي فيها إلى استراتيجي.

وذلك هو التفسير الأرجح لتقلب المواقف بين الشيء ونقيضه.

 الأمر الذي ينبهنا على أهمية فتح ملف «الثوابت» والدعوة إلى الاتفاق عليها من جديد.


إن المرونة مطلوبة لا ريب، ولكنها تفقد معناها إذا أفضت إلي خلل في الرؤية وأدت إلي اعتماد نهجين أو خيارين متناقضين في وقت واحد لأن الأمر في هذه الحالة يخرج عن السياسة ويدخل في نطاق آخر يعف لساني عن ذكره.