هكذا يأتي الجبل !! قراءة غير منهجيّة في ديوان ( خطى الجبل )* للشاعر الفلسطيني محمد علوش

0
الشعر غليان صارخ يقول الأشياء ، ويخرج باللغة من مشتركاتها المألوفة ، إلى خصوصية في الكثير من الأحيان غير مألوفة للجميع ،عبر توترات صاخبة تدفع للنظر بدقة في كامل المحتوي. ما يؤكد أن كلمات القصيدة هي دم الشاعر، وعصير روحه ، الدافع إلى الإستنفار، وذوبان الذات في ذاتها، ما يجعل القصيدة ( أي قصيدة ) عصية علي الموت ، كونها تعاني ولادات متكررة رغم إختلاف بنيتها. وبصفته قراءة لمجرى حياة الزمن ، فان الشعر ذاكرة تشكل أبدية الفعل ، وهاجس التغير، لأن القصيدة ليست اكثر من أبجدية عارية كالضوء ، وهو ما يشي به ديوان ” خطى الجبل ” للشاعر محمد علوش المحمل بهاجس الإبداع والتشظي ، الضارب في وجع الذات والمجموع والمشكل لجدل الأسئلة التي لم تزل تقرع أذاننا ، ما يجعلنا نصنفه ضمن منظومة ” شعراء الرفض الفلسطيني ”  فهو شاعر ومناضل لم يزل يحمل هم الأرض الغائبة الحاضرة والالتصاق بالهم الوطني الجمعي القومي ، وكذلك الإنساني ويتمحور كل كذلك حول الهم الرئيس ، أعني قضيته الوطنية بكل ابعادها ، تلك التي آمن بها دون تراجع وهو ما اكده منذ البداية في قصيدته ” أحمل اوجاعي ” حيث يتقدم الشاعر في فضاء نصوصه بهذا المدخل الجميل كشرارة دفع بها الليل ان يرحل كما في ” مليكة الماء والوجه ، حيث جاء فيها :
” أتيت أحمل روحي وريحاني
أرفع قامتي نخلةً
في عريني ملاذ لصوفيّ
في أرض أحلامي الصغيرة 
            أبوح بأشواقي “ ( ص 27 )
” يا ليل فارحل / دعك مني /
أنا لست وحيداً / معي حلمي / ومعي رفاقي /
ومعي سمائي /
ومعي من سبقوا .. “ ( ص 139 )
هنا مزجٌ بين الشعر والمشاعر يحمل بعض التفرد الحسي وتجلياته ، عبر حالات من التمدد اللافت ، الشاعر في هاتين اللوحتين يؤكد انحيازه للتناغم الكوني داخل الذات وخارجها رغم سطوة التداخلات ومركزيات الأنساق المعرفية ، مدلول الهوية فيها تمثل في صوت الحضور اللافت / أنا لست وحيداً / عبر التواجد بتلك اللحظة التي يشرق فيها الصوت المبدع الذي تجلى ، كأنموذج روحي متعالٍ / في عريني ملاذ لصوفيّ / ينبع من اللاوعي ، لكنه يقبل التفاعل مع الأنا ( روحي / ريحاني / احلامي / أشواقي / سمائي ) ، ومن ذلك التفاعل الايحائي / ووحي رفاقي / ، ما جعل القصيدة حاملة للاتساع دون غموض ، وكأنه يقدم الغاية الجمالية والفعل المرجو دون تراجع ، بل وبثقة مطلقة ، اذ يوحي بذوبان المادي ( الحركة ) في المعنوي ( الأخيلة ) ” الأحلام والبوح ” وطاقته الروحية المتحفزة لفعل الكتابة ، ورغم انني أميل الى القصيدة بالنثر / كما يطلق عليها شاعرنا ” محمد حلمي الريشة ” على القاعدة المعرفية ، اذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة / حيث التمايز والتجاور ، إلا انني أؤمن بأن الشعر لا يهم ان يكون قد كتب بالطريقة الحديثة ، أو نحى المنحى التقليدي التراثي ، كون الأصل فيه يكون شعراً ليس إلاّ .
ولأن ” يوتوبيا ” الشاعر ، هي مملكة البشر ، فالإنسان الحقيقي يتخلص من كامل المعيقات ، لذا يعانق الرفض ، ويعانقه الرفض ، فهو وقصيدته كيانٌ واحد ، لذا يجب أن نفهمه على أساس النموذج الذي تسعى قصائده لتكونه ، ونموذج شاعرنا هنا هي الوطن / فلسطين / الحلم ، بطل ما يخالج روحه العطشى من احتراق ، فرغم الظروف القاسية التي تحاصره والتي لا تريد ، إلا انه يريد وبقوة وشغف بهدف أن يمسح عن جدائلها الهزائم ، لذلك يبوح بأسراره / طموحاته للسماوات / الأفراس / وظلال الروح ، كي يبلور هويته كما في ” جئتك وفرسي بلا أجنحة ” :
” أتيتك أحمل روحي ،
ودفتر أشعاري الصغير
أنبش بجمري المتوقد ، وخمرة شوقي لنهرٍ طليق “ ( ص 29/30 )
” أبوح بأسراري للسماوات العالية
لأفراسها الواعدة / وأبراجها ظلال الروح /
فلا تتركيني وحيداً / باسماً / شقي الهوى / وبلا هوية “ ( ص 56 )
لقد اعتصر الشاعر البوح الذي يجب ان يكون ويقال ، وهنا علاقة جدلية بين ( الفعل والمفعول / الحلم والواقع / الحضور والغياب / الهوية وانتفائها )  ، حيث تمازج الانا مع أناها مشكلةً لسيمفونية تحتوي تناقض الأضداد .
هذا الوعي الشخصي ليس مجرد وجهة نظر يستند الى شرط الحرية ، بقدر ما هو وعي شامل ، أي وعي يربط بين الظواهر بمجملها في وحدة واحدة ، اذ أن المعنى المقصود هنا ليس غامضاً ، وسيبقى الأقرب الى ذهن المتلقي ، ما دام يرتبط بقضية الوطن .
في مجملها العام ، نصوص الشاعر تحاول ان تمسك لحظتها في لحظة محاولتها ان تمسك بالأبد عبر جملة من التحولات التي تؤكد بثبات وجود كل نص ، وعن طريق تطلعاتها ومراميها تنعش الصور الفارغة وتتملك من جديد حدسا بالمعنى الكامن في مفاصلها ، حيث تؤسس آفاقاً من الدلالات المصادمة ، اذ عبر تحولاته يؤكد لنا هذا الديوان ضرورة التفاعل بين ( الحلم والصحو ) لنفي ( الغياب المطلق في الزمن المطلق ) ، لأن كل انتاج / ابداع ، ما هو سوى تساؤل  عن الواقع ، حيث تزول الأجوبة ويبقى التساؤل ، فكل شيء يرتبط بكل شيء ، والكل كماً ونوعاً ، وهنا تبرز فاعلية الزاوية الرؤيوية التي تؤدي الى كشف متاهات الخلق المعتمة عبر تحولات متداخلة تقول مالا يقال .
لقد تمثل التحول الأول في ارتفاع صوت المتكلم واتساعها اتساعاً كثير التعدد لأصوات الرؤيا ، هذه الأنا هي الرائي الذي يتوحد برؤياه / أي بالحادث الآني / لا بالحاضر السالف ، ومن هنا كان لانشطار الصورة فاعلية ترتبط بين الموت والحياة ، كما جاء في قصائد ” سيدة البحر / أريحا / اليرموك ” كبعدٍ وطني يمتزج بالأفق القومي ” الشام / مصر / الجزائر / العراق ” وهذا ليس بالغريب عن شاعرنا المناضل العروبي الاشتراكي ، فـ ” عكا ” هي حكاية الزمان التي دحرت نابليون عن أسوارها ، في اشارة منطقية أن التاريخ لا بد وأن يعيد نفسه من جديد ، كما هو حال مدينة القمر / أريحا / وحتى اليرموك الصامد :
” تستيقظ عكا من نومها السرمدي
تغمد سيف الوداع / هزمت نابليون / وظلت أسوارها منيعة /
عصية السقوط / وستلفظ عنها الغرباء “ ( ص 54 )
” وأوقدت أحلام من يأتون بعدي / يلامسون أرض الحلم / ويضيئون قناديل وصولهم /
بوحاً لمدينة القمر “ ( ص 162 )
” سيعود اليرموك حصيناً / رمزاً للثورة والثوار / عنوان كرامة شعب ينتظر العودة /
فاصمد في وجه المحنة / ارجمهم بالإصرار “ ( ص 177 )
هكذا ارتبط محمد علوش بالهم الجمعي بقوة لافتة مطلقاً نصّه الذي يحتفي بالذات الفردية ، الأنا / ممزوجة بالأنا الجمعية ، الراغبة للتجذر بالأرض ، ومسح الهزائم العربية من تاريخ الأمة ، لذا ناجى الأمة بكل وطنياتها التي تشكل أوتاداً أصلية حيث التوثب والاستعداد الذي يطفئ الغياب :
” وأطفئ الغياب
وأمسح عن جدائلك الهزائم
وأسرج أحلامي المعذّبة
وانبض فيك ملحاً وماءً “ ( ص 31 )
هنا لغة التحدي واضحة يحتويها موقف رافض للهزائم يرتبط بالحلم والماء كمصدر للحياة والاستمرار ، ورفض النكوص .
قد يرى البعض ان هناك بعض التناقض في موقف الشاعر الذي راوح بين / الصمود والتراجع / أيضاً / الاستمرار والنكوص / كما يعتقد هؤلاء ، حيث يقول :
” الكل سراب
وسرابٌ اقناع الليل بأن يرحل “ ( ص 34 )
لكن المدقق الحصيف وهو يستحلب باطن النص يستطيع التأكد والتأكيد على أن شاعرنا مصرٌ على الثورة واستمراريتها ، فالليل لا يرحل ببساطة ، كما هي الحقوق لا تعطي ، بل تؤخذ أخذاً ، لنؤكد لنا نصوصه أنها صوت رافض قوي في دلالات موحية تؤكد معجزة الصمود الفلسطيني الثابت والمستمر .
لقد حاولت النصوص هنا ان تمسك باللحظة وهي تحاول أن تمسك بالأبد ، ما يعني أن معادل النص الشعري ليس هو الشخص المتكلم ، بل هو الذات الغنائية التي تمتلك قدراً ثرياً من العلاقات بالفرد القائل من ناحية ، وبالنموذج الذي تسعى لتكونه من ناحية اخرى ، الذات هنا وكأنها في حالة انتشاء باحتراقها ، كالنار التي تصهر التبر ليصبح ذهباً خالصاً ، تشع منه أقماراً لشوق الأرض ، رغم الاغتراب والتشرد ، وحصار اللجوء .
الأدب وعبره الشعر لا يسعى الى نقل المعاني والصور المحددة وإنما يسعى الى نشر العدوى ونقل حالات نفسية من الكاتب الى القارئ أو على الأصح الايحاء بها ، بهذا يصبح الشعري ضرب معرفي خاص لمعرفة الواقع وما يمور به وخلاله ، ولتحرير هذا الواقع من الجمود وذلك بالكشف عما يجيش به من مقابلات وتناقضات تداخلها واختلافاتها ، ما يجعل الذات هنا وكأنها في حالة انتشاء رغم وجع الخيام :
” أتيتك وقد غربتني الحدود ،
وقست عليً الخيام / وشردتني الفصول “ ( ص 30 )
أليس هنا اندغام بيّن واضح بين انا الذات / وأنا الأرض التي تعبر عن هوية الشاعر؟
وهل هذا الارتباط بغدٍ فجائعي ، أم حالة فرح ؟
اذا دققنا النظر في الارض نرى ذراتها تدخل خلايا الشاعر وان لا فعلها الانتفاض اللافت ولسمائها دفق الصهيل ما يعني انه يعانق حالة فرح قادم ، كفلسفة يؤمن بها ، وتخلق المعجزات :
” في بلادي للسماء صهيلها ..
وللنجوم بريقها الأخاذ
للانتفاضات الصغيرة فلسفةٌ ،
تأخذنا الى عالم الابجدية ، والمعجزات “ ( ص 35 )
ولتأكيد فكرته التي يروم الوصول اليها يعتمد شاعرنا القناع ليصل عبره ومن خلفه الى ما يريد عبر ما يبقى الاقرب الى ذهن المتلقي ما دام يرتبط بالجرح والأوجاع المعتقة ، مستخدماً الشرط التاريخي ، التحدي / والسعي للتحكم المعرفي ، وتفعيل الفعل ، بدل الهروب بالتجاهل ، ان دوال النص وإشاراته بعيدة عن التقويم ، فالمحيط الدال هنا في حالة تصالح مع النص يؤكد ان الحسم يتمثل في ذلك الذي يبثه لكل العيون التي لا تنام ، فحنظلة ، هو الفلسطيني المشرد / المعذب والرافض لمل ما لا يرضى عنه التاريخ الحق / والعدل ، وانه باقٍ رغم أنهم غيبوه :
” قتلوني بعيداً / ولكني لم أمت / أدرت ظهري لهم “
” أنا حنظلة / لم تمت فيّ المدن / ولم تسترح فرشاتي منذ غرست أناملي في مقلة الجرح “
” حنظلة أنا / وحي اوجاعي المعتقة / عيوني لا تنام ../ وهي سماءٌ للسماء “ ( ص 41/43 )
ولان الوعي لا ينهض لمجرد الفكر والتصور ، وانما ينهض باكتشاف خصائص / موضوع / المعرفة ، جاء التحول الثاني والثالث في الرؤيا حيث تقدمت بنية الذاكرة نحو أفقها المفترض نتيجة لنظام التاويل الذي يفترضه التعاقب الزمني والذي يشير الى اختراق زمن القصيد الفذ ، فالقائد  سمير غوشة ، رمز نضالي له بصمته اللافتة في الفعل الوطني الفلسطيني ، كما هو حال غسان كنفاني وخالدة جرار ، وخضر عدنان ، وغيرهم كثر ، على التوالي .
يقول في قصيدته ” حفظنا الوصايا ” :
” باقٍ فينا شمس ظهيرة / وحلماً كنورس فوق قافية الشاعر الأخيرة / شراعاً في وجه ضوضاء الريح / قائداً ملهماً / عفيف النفس / بهياً كنجم سماء “ ( ص 36 )
” حفظنا الوصايا / وعلى دربك باقون “ ( ص 39 )
ولأن للمرأة دورها في الثورة الفلسطينية كونها النجمة / الشجرة/ أم الشهيد / القابضة على الجمر والتي لم تزل ترضع ابناءها حليب الارض وحلم المستقبل كانت قصيدة ” خالدة ” :
” تسامرين مساء الصمود / وتعزفين ألحان البقاء / من وحي قهرك / من وجع الانفرادي / من قلب الزنزانة / وتحطمين قيد الخشونة في معصميك / فأنت الشرارة يا نزف الثائرين / أنت الحكاية والبداية / أيتها الخالدة “ ( ص 44 )
بهذا الفهم عرف الشاعر كيف يستفيد من ثوريته ، حيث استطاع ان يحولها تحويلاً لائقاً يتدفق في نص عارم دون تكلف وبما ينسجم مع الجو النفسي للقصيد ، وفي نفس الوقت كجزء من تجربته النضالية / والنفسية / ، الأمر الذي يؤكد طبائع عمليات الابداع عند شعراء الرفض الفلسطيني / وشاعرنا منهم / توضح مدى اختزاله للعواطف الفائرة ، وازدحام لا شعورهم بالأحداث المكتنزة المعقدة ، والإرادة المكتملة بكونه تكتيكاً للتكتيك حيث الاستاتيكا والصخب في ان يعتمد كل ذلك على قوة الدراما ، الأمر الذي أسعف شاعرنا وجعله ينفس عن مكنوناته بصورة صاخبة ، وبطرق فوضوية احيانا بهدف استحضار طاقات تحطم التقاليد وترنو الى التفجير ، طاقات مرسومة سلفاً ، لكن عبر اداء هائج ، كما في قصيدة ” ظل الفجيعة ” التي تصفع الظلام وأهله :
” يكشف الظلاميون أنيابهم / ويلتهمون لحوم الأوادم / يسرقون صدى الأغنيات / ويقتلون الحلم / ويوقدون نار الحرب بيننا “ ( ص 76 )
ولأن الشعر يكتبه الجنون فان جنون شاعرنا هنا هو محاولة كتابة الوجع / الحلم / الامل / شعراً ، وذلك عندما يتكامل حدود المطلق في القصيدة ، ما يدفعنا للتساؤل : أليست ملامح الشعر الاولى تتمثل في النفي الشاسع بين الأزمنة التي تربط بين الماضي والحاضر ، وحتى الوصول الى المستقبل !؟ وبالتالي فعل التلاحم مع المجهول ( الغياب / الضياع ) لنفيه واخصاؤه !؟
للإجابة على ذلك نقول :
الكتابة في ابرز معانيها / خاصة الشعر / هي ممارسة الحرية ، انها معنى سياسي بالمعنى النبيل للكلمة ، أي فعل سياسي شرس يدفع لاستقلالية الشعراء عن السلطة من جانب ومقارعة الآخر / البديل ، من جانب آخر وهو ما يتنافى مع المراوغة حيث التناظر والتضاد ، ثم التجاهل والتبعثر للوصول الى التلاحم ، وانجاز الحلم المرجو دون ليونة أو اعتماد على الصدفة رغم آليات النفي والحصار والنسيان :
” فأنا المنفي / سمائي تحاصرني / وأحلامي مقيدة بالسلاسل / خانتني المواعيد / وتركتني وحيداً على حافة حلم / يغتالني النسيان / وينعاني شهيد المرحلة “ ( ص 190 )
لذلك يظل صامداً حتى حيفا كما جاء في قصيدته المهداة الى غسان كنفاني ، والموسومة بـ ” باقٍ كما أنت ” حيث جاء فيها :
” ترسم طيراً / ترسم برتقالةً / وتعطي فقيراً هناك كسرة خبز / وتعويذة لـ ” حيفا ” ك / عكا تحرسها أسوارها وقامتك الوارفة “ ( ص 187 )
من جانب آخر ، فان القراءة الأيديولوجية للشعر تفترض بالضرورة كشف العلاقة بين المستويين ( الفني والاجتماعي ) داخل التجربة الشعرية نفسها ، لذلك يستعين شاعرنا باللغة من اجل محاولة التجاوز عبر ألوان من الكلام غير العصي على التفكيك ، موقف الشاعر في هذه اللوحة نقطة انطلاق للسيرورة الابداعية كضرورة نفسية للتعبير عن الانفعال ونقله للآخرين ، فعلى الرغم من سطحية هذه الفقرة ومباشرتها ، إلا انها لم تلغي فكرتها الجبارة المتمثلة في تحقيق الحلم .
القراءة في سياقها الفيزيائي هنا تحمل تقاطعات اللحظة ( الزمان / الثورة / المكان ) فالمكان هو جغرافيا السحر / الوطن / فلسطين / زمانه عمق الادراك بالحدث الذي تشكله الثورة ، وهنا يكون الاحساس بعمق / العمق / ودوره في التحريك .
هذا البعد الصوفي الدافئ الذي تحكمه المشاعر اللاهبة ساعد على تحويل المفهومات وانتقالها من ميدان الى آخر / وهو نوع من التبعثر الرؤيوي الحامل / والدافع لرغبة دفينة في التبلور ، فالمقاومة / العنف الثوري / والفقر المسلح وحده القادر على قلب ميزان القوى وتأكيد الهوية والمستقبل كما جاء في قصيدته ” أن تكون فقيراً ” :
” ليس عيباً أن تقاتل / وتنتزع الحق / وتملأ روحك حباً / وطقوس حياة / العيب بأن تحترف الجبن / وأن ترضخ للبهتان / أن تقبل عار الجوع الكافر “ ( ص 178 )
فكرة الثورة والتمرد هنا تبدو واضحة ، اذ تشكل علامات ابستمولوجية فاعلة لعبت دوراً هاماً في صياغة منظمة للدورات العلائقية التي تصبح فيها فكرة التمرد اكثر رحابة كونها تنطوي تحت لواء الفكرة التكميلية للثورة المرجوة ، حيث تجذير لكيانية رؤيوية مفترضة أقحمها الشاعر في حلمه ، مستحلباً اياها من وعيه الخاص بها وهو وعي وطني / طبقي / تقدمي ، فامتزج بها الى درجة الانسكاب ، لتتبلور رؤيته الى تمذهب فلسفي خاص به ، الأمر الذي جعل للقصيدة عنده سبكاً خاصاً أكد قدرته على امتلاك صوته بقوة ، كما في قصيدتيه ” صراع طبقي ” و” مرحى للرايات ” :
” أنتم روح مهجتي / وتراتيل نشيدي الاممي / ولىّ عصر الرق / أنتم سواعد البناء والعطاء / حانت ثورتي / فتحالفوا يا عمال العالم “ ( ص 67 )
” أول أيار ما زال يلوح / يحتضن الذكرى / ويحث على الثورة / يدعونا أن نسخط / أول أيار جاء وفي جعبته أملاً / بشرى للعمال المقهورين ” ( ص 125 )
تطويع الفكرة الماركسية القائلة ( يا عمال العالم اتحدوا ) ، والدعوة للاحتفاء بعيد العمال العالمي يؤكد بجلاء المعنى المقصود ، والذي سيبقى الأقرب الى ذهن المتلقي ما دام يرتبط بالجوع والتمرد ، وآلية الصراع الاجتماعي ، هذا الوعي بلحظة تاريخية محددة شكل أتمتة الفكرة المقصودة ، وجمودها شيّأ هذا الطرح الايديولوجي الحلم وبالتالي بتداخل العقلي مع الروحي والذي ما كان في الحالة الفلسطينية يجب ان يكون لأن الثورة الفلسطينية حركة تحرر وطني شمولي ، جمعي غير مؤدلج .
ان التداخل الذي أخذته النصوص جعلنا نختلف مع شاعرنا هنا ، وذلك من منظور الفكرة العامة ، فالماركسية تراجعت الى الخلف أكثر ، بعد تداخل الأيديولوجيات ، حتى أصحابها في الصين / الثورة الثقافية / يأسفون لها ، بحيث لم يتبق منها سوى الاسم فقط ، ورغم ذلك لم يزل شاعرنا يؤمن بقدرتها الفاعلة ، حتى اختراق الحدود ، ها هو يقول :
” أقف في السّاحة
وماو تسى تونغ شامخاً
تعانقه العيون والقلوب / ينتصب زعيماً تخلّده الذّاكرة /
يبعث في الصّين الوعود / تعبر كل الحدود “ ( ص145 )
ارتبط ما سبق بتحول أخير ، تحول من المتكلم الى المخاطب ، ما يعني الاستئناس بصحبة النفس ، والثقة المطلقة التي تعارض المعتقد المفترض للغير ، وان تناقض الشاعر / وهو محق في ذلك / مع طروحات ” فوكوياما ” الكاتب الأمريكي الياباني الأصل القائل في كتابه ” نهاية التاريخ ” بأبدية الهيمنة الأمريكية الداعمة لحلفائها ومنهم الظالم / المغتصب ، لأن التاريخ يرفض ذلك وهنا اشارة الى امكانية الانتصار لفلسطين ، بل وحتمية ذلك الانتصار ، ففي الوقت الذي حفر فيه الكنعانيون بأظافرهم تاريخاً للأرض وللأجيال ، برز جلياً زيف الهولوكوست ، يؤكد ذلك حرق الرضيع ، علي دوابشة ، حيث المحرقة الحقيقية البائنة :
” دمي ليس رخيصاً / طفولتي المسفوحة ليست قرباناً لرب الهولوكوست /
وأسطورة الكذب الأبدي “ ( ص113 )
” صلاة أخيرة / تنثر وردتها الجريحة / مهجة لملاك صغير/
صلبوه على أعواد نار / في ملكوت المحرقة “ ( ص 165 )
الشعر الحقيقي هو الذي يظهر انتصار الارادة على العقبات لكونه تراجيديا في بعض مواقفه ، فانه يظهر الألم الانساني الناشئ من تعارض المواقف والطباع ، حيث تبرز حالات انفجار مطلقة في الصيرورة والفكرة ، تحملها تعاويذ الكلمات التي تعمل جاهدة على ابراز ما يقال وما لا يقال ، كما في قصيدته ” السنديان ” المهداة الى صديقه الشاعر ” محمد دلة ”  ، والتي يقول فيها :
” يا قيس مريم / كن جريحاً أو عزيزاً أو شهيدا /
كن شقياً أو سجيناً أو عقيدا / كن رفيقاً لا تبالي /
كن ما تريد / فما نسيناكم ولكن حرقنا شاهداً /
لنقدم الأقداح للجثث العتيقة / لا ما نسيناكم /
ولكنّا نعلّقكم على أكتافنا رتباً
وصغناكم نشيداً “ ( ص 134 )
انه الخروج من الجلد ، والتلاحم بالمألوف عبر التجلي لحركة النفس الهاربة ، الأمر الذي يؤكد ضرورة الالتجاء اليها لأنها هي الكينونة وهي التي تصوغ الأسئلة بهدف الدفع الى معرفة ما يجب أن يكون من ثبات يقهر القهر ، يقول الشاعر :
” فلا السرطان يثنينا /
ولا الأيام تقهرنا / سنمضي في عرين الشمس /
نملأ أرضنا نورا “ ( ص 99 )
” فلا هانت عزائمنا /
ولا السرطان يقهرنا / سنقهره / ونهزمه
ونرفع راية النصر “ ( ص 99 )
هكذا رأينا كيف تعانقت النصوص داخل مشاعر الشاعر وأفكاره الى حد انها جعلت من الاثنين كلاً واحداً ، يؤكد ذلك ما حملته النصوص في ثناياها من أشكال الانفعال المتداخلة بغنائية مأساوية وواقعية شفافة بشكلها السيلاني المتقطع عبر ردائها البديع حيث توحدت الروح بالفكر والمشاعر ، حيث أكدت نصوص الشاعر رؤيته الثاقبة في أن الجبل لا بد له أن يأتي .
·         ” خطى الجبل ” صدر عن وزارة الثقافة الفلسطينية 2016
·         أديب وناقد فلسطيني يقيم في السويد