يومية الحاج بوعياد   بقلم: عمر بنعمر (*)

0

 

 

 

 

أنا رجل بدوي، تربيت وراهقت مع يومية الحاج بوعياد، يومية تعتمد في حسابها على السنة الفلاحية. تدلك على تواريخ الحرث و الزرع و الحصاد و كل شيء. اكتشفتها لأول مرة في منزل جدي، رحمه الله، في قرية « مداغ« . رأيته كل يوم، بعد صلاة الفجر، ينتزع ورقة الأمس ثم يقرأ حكمة اليوم ثم يتوجه نحو الحقلكنت أتوسل إليه كل صباح أن يتركني أنتزع الورقة بنفسي كان يحملني بذراعيه إلى أن أكاد ألمس سقف الغرفة، فأمد يدي الصغيرة و أنتزع الورقة كنت أجد متعة كبيرة و أنا أمزق الأيام عندما كبرتُ و صارتْ لي واحدة في غرفتي، استمرتْ مُتعة التمزيق لكن الهدف اختلفأصبحت أتلهف إلى قراءة حكمة اليوم زد على ذلك أوقات الصلاة في كبرى مدن المغرب و التاريخ الهجري و الميلاديكانت هي وحدها. في غياب عصر النت، موسوعة مصغرة بالنسبة لي فاليومية تشتمل على ثقافة عامة، دينية، أدبية، خُلُقِية، وطنية، تاريـخية، عربية، غربية، وتساير كلَّ الأذواق والْمُسْتويات، فقد يكون القارئ كبيرا أو صغيرا، أستاذا، أو حلاقا، أو بقالا، أو حدادا، أومُهَنْدِسا، لا فرقَ فكنا، ونَحْن صغار، نتعلم من نصوصها الْمُتَنَوعة اللغةَ الفصيحة و التعبير الْمُرَكّز و الأدب و التاريخ و أشياء كثيرة و بعملية حسابية بسيطة، إذا كنت تقرأ كلَّ يوم وَجْهَيِ الورقة، فإنك تَحْصل في السنة الواحدة على سَبْعِمئةٍ وثلاثين معلومةً. فماذا تقول عن خَمسِ أوعشرِ سنوات أخرى؟

أظن أن القاموس نفسه لا يَحْتَوي على هذا الكَم الهائِل من المعلومات و المعارف والكلمات والعبارات. أما يومية هذا العصر، فهي كالتلفاز، تُسَطِّح فكرك، وتلَقنُك الرّكاكة والْهَجانة مملوءة بالإعلانات الإشهارية و المعلومات التي لا تفيد

 يومية الحاج بوعياد يزيد عمرها عن ثمانين سنة، منذ صدورها لم يتغير منها شيء و الثمن لا أذكر أنه تغير منذ الثمانينات عشرة دراهم لا غير نفس العلامة التجارية و نفس جودة الورق الشفاف و نفس بوليسة الخط اليومية ضربتْ بعرض الحائط كل نظريات الماركتينغ في التطور و انتصرت على الزمن.. استنزافها من السوق في الشهر الأول دليل نجاحها. و زاد عليها الطلب في الخارج من باب القيمة التاريخية

 الحاج بوعياد من مواليد مدينة مانشستر الانجليزية و أصله من فاس و درس في القاهرةفكرته في طبع هذه اليومية لم تكن لهدف تجاري محض بل كانت له دوافع ثقافية في ذاك الزمانزمن الاحتلال الفرنسيبفضل يوميته انتشرت معالم الثقافة العامة في أوساط الشعب و خلقت لدى البعض فضول القراءةكان ذكياً في إخراج هذا المنتوج البسيط، و فكرته لا زالت ناجحة حتى بعد وفاته و المطبعة العصرية في الدار البيضاء ضاعفت كمية الطبع إلى مائتي ألف نسخة التي اشترت حقوق الطبع بعد وفات الحاج بوعياد

أما عن فكرة اليومية فأتساءل: ألسنا في حاجة ماسة إلى هذا النوع من الوسائط الثقافية؟؟؟ في السنة الماضية مثلاً، أثار كُتاب وأدباء فرنسيون فكرة من شأنِها أن ترفع مستوى الذوق الفني، والوعي الثقافي، وتُحَسِّن التعبير، وتُحافظ على اللغة، وتُحَفِّز على القراءة و البحث تتمثل هذه الفكرة في رسالة وجهوها إلى مكتب السكك الحديدية، يقترِحون فيها كتابةَ مقاطعَ شعريةٍ على ظَهر تذاكر السفرأظن، والله أعلم، أن المغرب أولى بها، لأن تذاكر السفر عندنا من الورق الْجَيِّد الْمُقَوّى، ومن غير المعقول أن يظل خلفُها فارغا تَخَيَّلوا معي لو تتحقق هذه الفكرة، فكم من الْمَقاطع سيقرأ العامل والموظف والطالب، أولائك الذين يستعملون القطار يوميا في ذهابِهم وإيابِهم، خلال الشهر والسنة والعَقْد؟ و كم سيلتقطون من صور شعرية وتعابير ورموز ورُؤى وألفاظ وآراء وأفكار ونوادر وأمثال وألغاز، ولو يقرأونَها عَرَضا؟؟؟ ألا نَحْصل في النهاية على أمة واعية؟؟؟ ألن يرتقي مستوى الْحِوار بين أفرادها؟؟؟ ألن تذوب هذه السلوكات العنيفة، والأفكار الْمُتكَلِّسة؟؟؟ هذا هو الدور العلاجي الكبير الذي يؤديه الشعر في حياتنا بصفة خاصة، والأدب والثقافة بصفة عامة

 تذكّرتُ كذلك الشاعر الإيطالي « مينو روسو » الذي خَطرتْ بباله يوما، فكرةُ الكتابة على أكياس السكّر، لتقريب الثقافة إلى المتلقي. فقد أثار سؤالا : لِمَ لا نكتب على تلك الأكياس القصائدَ، فتتحَوّل حاملةً للأشعار الثّاوية في الكتب، التي لاتلحقُها أيدي الناس العاديين؟؟؟ وأظن أن المغاربة أحَقُّ بِهَذه الفكرة من الإيطاليين، لأننا نستهلك كثيرا من السكر في تَحْضير الشاي، ذلك المشروب اليومي الذي يُعَدِّل الأمزجة، وبالأخص في القرى والبوادي ولِمَ لا نستغل أيَّ مَجال صغير أو كبير لنشر الثقافة والأدب والعلم والفن والرياضة والمعرفة؟ أتريدون أن تتركوا الفرصة لِلْجَهَلة، كي يعيثوا فسادا بأغانيهم وتَمْثيلياتِهم وبرامِجِهم المبتذلة؟؟؟ لا ينبغي أن نستهين بالفكرة، لأن بعض الدول، مثل فرنسا، عرفتْ مايسمى بـ « كُتَيِّب القطار » بسِعر بَخْسٍ. و مصر عرفت سلسلات «اِقرأ» تضم نصوص مختارة لمصطفى المنفلوطي و لعباس مَحْمود العقاد و طه حسين و توفيق الْحَكيم، وأحْمد أمين و « الْمَوسوعة الصغيرة» في العراق و سلسلة «شراع» و « الْمَعرفة للجميع» بالْمَغرب

 يقول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: «إن الذين عَنَوْا بإنشاء هذه السلسلة ونشْرها، لم يفكروا إلا في شيء واحد، هو نشر الثقافة من حيث هي ثقافة، لا يريدون إلا أن يقرأ أبناء الشعوب العربية، وأن ينتفعوا، وأن تدْعوهُم هذه القراءة إلى الاستزادة من الثقافة، والطموح إلى حياةٍ عقليةٍ أرقى وأخصَبَ من الْحياة العقلية التي نَحْياها». فرحمة الله على الحاج إدريس بوعيادو جازاه الله خيراً على هذه الصدقة الجارية

(*) توضيح من كاتب المقال السيد عمر بنعمر:

تم نشره في مجلة العربي الكويتية 2015، وسبقت أن نشرته في نسختها المطبوعة سنة 2014.