18 نوفمبر: من يتذكر؟ بقلم: المختار الغربي

0

في العشرية الأولى وفي جزئ من العشرية الثانية اللتان أعبقتا حصول المغرب على استقلاله، كنا نقول، يحتفل المغرب أو يحتفل المغاربة بالأيام الثلاثة المجيدة : 16، 17 و18 نوفمبر ، وهي الأيام الوطنية الخالدة التي كان يتعبأ فيها المغرب ملكاً وشعبا للاحتفال بها في أجواء تطبعها التلقائية، العفوية والحبور، تتويجا للنضال والكفاح اللذان خاضهما المغاربة دفاعا عن حريتهم وكرامتهم وانعتاقهم من نير العبودية، الاحتلال والاستعمار.

كانت قمة الاحتفال في شموخ اليوم الثامن عشر الذي كان ينظم فيه الاستعراض العسكري الكبير والمهيب، حينذاك كانت تقع حالة استنفار في التكتلات المهنية لتنظيم الحفلات والسهرات الجميلة مفعمة بأجواء من الفرح في تضامن عز نظيره اليوم، احتفالات لم تكن مأمورة من مقدم أو شيخ أو قائد من زبانية الانتهازيين الذين يركبون اليوم مراكب شتى لقهر وقمع المستضعفين من أبناء هذا البلد الطيبين.

 نحن جيل تلك المرحلة نذكر أن أمناء الحرف المهنية كانوا يجدون أنفسهم مطوقين بأمانة ترجمة رغبات المنخرطين في جمع التبرعات وتزيين المحلات والشوارع للاحتفال بعيدهم الوطني. هذه الأجوء لم تعمر أكثر من عقد أو عقدين على الأكثر، وبعدها نزلت الأيادي الأثيمة لتمسح من ذاكرتنا كل ذكر لتلك الأيام المجيدة، ولم تعد هناك احتفالات أو استعراضات ولا فرح التلاميذ الأبرياء ولا حلل البهاء والجمال، تلك الأيام ذهبت.

ولا أشك لحظة بأن هناك (توجهات مومأ) بها لينسى المغاربة أن هناك يوم وطني وأن هناك عيدا قوميا يسمى عيد الاستقلال. في كل دول العالم وعند كافة الشعوب، يعتبر هذا اليوم مناسبة لاستحضار كفاحها ونضالها واستثمارها للمزيد من المثابرة والجهاد لترسيخ قيم العدل والمساواة وابتكار الأساليب للمزيد من الحضارة والرقي والتنمية، وتثبيت عناصر المناعة والديمقراطية. اليوم الوطني أو عيد الاستقلال، أصبح اليوم كذكرى غير مرغوب فيها، فكل الأحداث والوقائع تثبت بالملموس أن مضامين هذا اليوم الأغر تزعج الكثيرين من من أفرغوه من معانيه السامية وحولوه إلى كابوس مزعج لكافة المغاربة الذين كانوا يراهنون عليه ليقطفوا ثمار جهاد آبائهم وأجدادهم والإنخراط في أجواء تحفظ كرامتهم وبشريتهم ومبادئهم.

لقد قام مجموعة من المحتالين والنصابين والمرتزقة والانتهازيين بتشويه ملامح هذا اليوم المقدس والتشويش على معانيه وأهدافه وحتى خلفياته ومرجعياته، وأهالوا عليه تراب القبور والمقابر بعد أن شَيَّعُوه بممارساتهم الدنيئة والمشينة. جيلنا الذي عاش بداية اليوم الوطني والأيام المجيدة يأسف ويتحسر على ما آلت إليه الأحوال خلال هذه الستين سنة الماضية، وهي بكل المقاييس سنوات كافية ليس لوضع أسس ولبنات البناء فحسب، بل ليكون البناء كاملا ومشيدا في أحسن معمار، وهذا ما لم يتم تحقيقه وتنفيذه، بفضل طغمة من الخونة الذين كانوا يسيرون ضد تيار الوطنية، وبعد أن استتبت الأمور عملوا على تشتيت الصف الوطني ووأد كل الأماني في بناء وطن يحتضن كل المغاربة لتشييد صرح شموخه وعزته وتطوره، ونكسوا رايات الحرية والعدل، ودخلوا في معارك لنشر ألوية الفساد والإحباط مما نعيشه اليوم جليا في مظاهر شتى من الأزمات والصعوبات، تسد علينا كل المنافذ والأبواب في الحلم بوطن قوي وشعب أبي يحيا حياته في إباء وكرامة مستنزفا طاقته في اتقاء شظايا وحمم مما خلفه ويخلفه الذين باعوا أنفسهم لشيطان الولاء الزائف والاغتراف من فتات أسياد العهد البائد اللذين كانوا مثل الذي يبيع القرد ويضحك على من اشتراه.

لم يكن قدر المغاربة أن ينشغلوا عن يومهم الوطني ولا هم رغبوا في ذلك، ولكنهم أُرْغِمُوا على أن لا يتمتعوا ويحتفلوا بعيدهم المجيد، حين وضعت في طريقهم عدة مصاعب ومتاعب وأغرقتهم في لجج من الهموم اليومية المتواصلة، وشقت أمامهم عدة طرق في اتجاهات مختلفة ليفقدوا الإحساس بالمكان والزمان ويتيهوا عن الاختيار الأقوم والسليم.

إن المواطنين الشرفاء يجتهدون في صعوبة وعناء لتوعية أبنائهم وأحفادهم بالمعاني الحافلة ليومهم الوطني، هؤلاء الأبناء والأحفاد الذين خلفناهم في ظروف صعبة ومثيرة وغير مستقرة ضغطت بكل قوة وقساوة على مشاعرهم وأفكارهم مما لا يسمح لهم بتذوق متع الحياة في وطن حر ومستقل، والإحساس بالمعاني السامية للأيام المجيدة التي قدم لأجلها أجدادهم كل غال ونفيس واسترخصوا من أجلها حياتهم وحريتهم، وهذه الروح التي قتلها في وجداننا أولئك الذين نصبوا أنفسهم نيابة عنا وبدون رغبتنا ممن اغتصبوا إرث أولئك الأجداد والآباء وعبثوا بأرواحهم الطاهرة الزكية، وعاثوا في بلدنا وثروتنا فسادا وإبادة.